رأي

دارفور جغرافيا التعايش قبل جغرافيا الصراع٠٠٠ هل فقدت بوصلتها أم ما زال السلام ممكناً؟

جيلان شريف

 

جيلان شريف 

لم يكن تجدد المواجهات بين قبيلتي السلامات وبني هلبة في جنوب دارفور خلال هذا الأسبوع مجرد خبر عابر يضاف إلى قائمة الأحداث اليومية في السودان، بل هو مؤشر جديد على عمق الأزمة التي يعيشها إقليم دارفور، وعلى حجم التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية في الحفاظ على إرث طويل من التعايش والتسامح في ظل واقع أمني واقتصادي بالغ التعقيد.

وقبل النظر إلى هذه المواجهات باعتبارها نزاعاً قبلياً محدوداً، لا بد من التذكير بأن غرب السودان ظل عبر قرون طويلة نموذجاً فريداً للتنوع والتعايش الاجتماعي. ففي دارفور وكردفان تعيش عشرات المكونات القبلية والإثنية، من بينها الفور والزغاوة والمساليت والرزيقات وبني هلبة والسلامات والتعايشة والهَبانية والمعاليا والبرتي والبرقد والتنجر والداجو والميدوب والقمر والزيادية وغيرها من المجموعات التي ساهمت مجتمعة في تشكيل الهوية الاجتماعية والثقافية للإقليم.

لقد قامت الحياة في هذه المناطق على شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تجاوزت الانتماءات القبلية الضيقة. فالمصاهرة بين القبائل، والتجارة المشتركة، ومواسم الرعي والزراعة، والنفير، ومجالس الجودية والصلح، والاحتفالات الدينية والاجتماعية، كلها أسست لواقع اجتماعي جعل من التعايش ضرورة حياتية قبل أن يكون خياراً سياسياً أو أخلاقياً.

ورغم الصورة النمطية التي تُقدَّم أحياناً عن دارفور باعتبارها منطقة صراعات مستمرة، فإن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الإقليم عاش فترات استقرار أطول بكثير من فترات النزاع. فقد كانت سلطنة دارفور التاريخية مثالاً للتنوع والتبادل الثقافي والتجاري، وشكلت جسراً بين شمال أفريقيا ووسطها وغربها، الأمر الذي عزز قيم التعايش والتسامح بين مكوناتها المختلفة.

غير أن التحولات البيئية والاقتصادية خلال العقود الأخيرة، إلى جانب ضعف مؤسسات الدولة وتراجع دور الإدارة الأهلية في بعض المناطق، أدت إلى تعقيد العلاقة بين المجتمعات المحلية. ومع تقلص الموارد الطبيعية وتزايد الضغوط المعيشية، أصبحت النزاعات على الأرض والمياه والمراعي أكثر حدة، بينما تراجعت الآليات التقليدية التي كانت قادرة على احتواء الخلافات قبل تحولها إلى مواجهات مسلحة.

ومن هنا، فإن تجدد الصراع بين السلامات وبني هلبة لا يمكن فهمه بمعزل عن هذه السياقات الأوسع. فالمواجهات الحالية ليست أصل الأزمة، بل هي أحد مظاهرها. وهي تعكس خللاً في إدارة التنوع والموارد أكثر مما تعكس عداءً تاريخياً بين المكونات الاجتماعية التي ظلت تتشارك الأرض والمصير لعقود طويلة.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذه المواجهات لا يهدد طرفاً بعينه، بل يهدد النسيج الاجتماعي بأكمله. فكل جولة قتال جديدة تترك خلفها ضحايا ونازحين وأطفالاً محرومين من التعليم وأسرًا فقدت مصادر رزقها، كما تضعف الثقة بين المجتمعات المحلية وتخلق جروحاً اجتماعية قد تستغرق سنوات لمعالجتها.

لكن وسط هذا المشهد القاتم، لا تزال هناك أسباب تدعو إلى الأمل. فالعلاقات الاجتماعية المتداخلة بين القبائل، وروابط المصاهرة، والمصالح الاقتصادية المشتركة، والتاريخ الطويل من الجوار والتعايش، كلها تشكل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لاستعادة الاستقرار. فالمجتمعات التي نجحت في التعايش لقرون قادرة على تجاوز الأزمات إذا توفرت الإرادة السياسية والمجتمعية الصادقة.

إن المطلوب اليوم ليس فقط وقف إطلاق النار أو احتواء الاشتباكات الحالية، بل إطلاق مشروع مجتمعي واسع لإحياء ثقافة المصالحة وتعزيز دور الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية، إلى جانب توفير الأمن والخدمات والتنمية العادلة التي تقلل من مسببات التوتر والصراع.

ويبقى السؤال الأهم: هل تتعلم دارفور من دروس الماضي، أم تستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها من العنف والخسائر؟ إن الإجابة لا تكمن في فوهات البنادق، بل في قدرة أبناء الإقليم على استعادة إرثهم التاريخي القائم على التعايش والتسامح، وتحويل التنوع من مصدر للتنافس إلى مصدر للقوة والاستقرار.

فدارفور لم تُبنَ بالحروب، ولن تُستعاد بالحروب، وإنما بالحكمة والعدالة والمصالحة التي تعيد للإنسان مكانته وللمجتمع تماسكه وللإقليم مستقبله الذي يستحقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!