رأي

الانتهاكات التي تعرضت لها النساء في السودان ما بين الانتقائية والتمييز

غادة حسن مردوم

 

غادة حسن مردوم

على امتداد الفترات السابقة للحرب في السودان، شهدت البلاد أشكالًا متعددة من النزاعات، لم تقتصر على العنف المباشر، بل شملت أيضًا ما يمكن تسميته بـ”العنف الناعم” الذي مورس بصورة ممنهجة عبر هياكل الدولة العميقة. وقد أسهم هذا النمط المتطور من الحروب في مضاعفة حجم الانتهاكات، خاصة مع استخدام الأسلحة الثقيلة والطيران المسيّر، ما أدى إلى ترسيخ حالة من الصمت أصبحت شبه مسلّمة في الواقع السوداني.

ويُعزى هذا الصمت إلى عدة عوامل، من بينها ضعف المقاومة وتباين وسائلها، إضافة إلى وجود تراتبية في تصنيف الانتهاكات الواقعة على النساء، حيث يُعترف ببعضها كجرائم واضحة، بينما يتم تجاهل أو التقليل من شأن أخرى. وقد تعرضت النساء لانتهاكات جسيمة شملت القتل، والاغتصاب، والتشويه الرمزي، والتضليل، إلى جانب تهميشهن في الحياة العامة، وغالبًا ما تُرتكب هذه الانتهاكات من قبل الجهات ذاتها التي تهيمن على هياكل السلطة.

في المقابل، يرى البعض أن فرص التغيير تكمن في خلق واقع جديد للنساء من خلال التمكين الاقتصادي والدعم النفسي وتوفير الخدمات الأساسية وتوفير رؤوس الأموال ودعم المشروعات الصغيرة المنتجة مثال (كفتيرة شاي والأعمال اليدوية والمشغولات الخرزيه اي كان نوع الدعم). إلا أن هذا الطرح، في جوهره، قد يرسخ التعايش مع الانتهاكات بدلًا من معالجتها جذريًا، إذ يركز على مظاهر المشكلة لا أسبابها العميقة، ولا يسهم فعليًا في بناء سلام مستدام أو إحداث تحول حقيقي في واقع النساء.

كما أن هناك مناطق في السودان عانت من حروب طويلة الأمد، وحرمت من أبسط مقومات الحياة مثل التعليم، والصحة، والغذاء، والمأوى، مما يعكس تفاوتًا كبيرًا في مستويات المعاناة بين النساء، تبعًا لاختلاف السياقات الاجتماعية والجغرافية. ويبرز هنا خلل واضح في أنماط التضامن، حيث تخضع قضايا النساء أحيانًا لمعايير انتقائية تعكس تفاوتًا في الاهتمام والدعم، سواء من قبل المؤسسات الرسمية أو المنظمات الحقوقية والإنسانية.

ويتجلى هذا الخلل أيضًا في الخطاب المجتمعي والإعلامي، حيث تُصنع بعض القضايا وتُضخّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في حين يتم تهميش قضايا أخرى أكثر خطورة. وعند وضع الانتهاكات المختلفة في ميزان واحد دون مراعاة السياق، يبرز اختلال واضح في الحس الإنساني وفي آليات التعاطي مع الضحايا، مما يؤدي إلى غياب العدالة في التناول والتصنيف.

إن الحرب الدائرة في السودان تُعد من أعقد وأشد النزاعات، التي لا يمكن التمييز فيها بين ضحية وأخرى من حيث القيمة الإنسانية. فالنساء، بمختلف مواقعهن، يُعدن من أكثر الفئات تضرراً، لأنهن امهات وزوجات واخوات لهن الحس العائلي المشترك، وفي الوقت ذاته انهن من أكثر الفئات قدرة على الإسهام في بناء السلام وإعادة تأسيس الدولة، نظرًا لدورهن المحوري داخل الأسرة والمجتمع والدولة.

وعليه، فإن تجزئة قضايا النساء أو اختزالها في جوانب محددة يؤدي إلى إضعافها أو تشويهها أو حتى تجاهلها. فالقضايا النسوية مترابطة بطبيعتها؛ إذ لا يمكن معالجة البعد الاقتصادي بمعزل عن الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي. وإذا تم التركيز على جانب واحد فقط، فإن ذلك يؤدي إلى ظهور مشكلات في جوانب أخرى.

لذلك، فإن الحل الحقيقي يكمن في تبني مقاربة شاملة والانطلاقة من ارضية مشتركة عبر خطاب مشترك يرتكز على حل سياسي عادل، يعالج جذور الأزمة ويغطي الأبعاد الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، بما يحقق العدالة الاجتماعية ويمهد الطريق لبناء سلام مستدام في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!