رأي

السودان بين ذاكرة الهيمنة وتقاطعات الحاضر: هل يعود النفوذ الخارجي بثوبٍ جديد؟

خضر كوة

 

خضر كوة

ليس التاريخ مجرد سردٍ لأحداث مضت، بل هو مرآة كاشفة تُنذر من يغفل عن دروسها. وعند استحضار تجربة الحكم التركي المصري في السودان (1821–1885)، يتضح أنها لم تكن مرحلة عابرة، بل نموذجًا مبكرًا لتداخل النفوذ الخارجي على حساب الإرادة الوطنية.

اليوم، ومع تعقّد المشهد السوداني، تتجدد المخاوف لدى قطاعات واسعة من عودة أنماط مشابهة من التأثير الخارجي، ولكن بأدوات أكثر حداثة وتحالفات أشد تشابكًا، تشمل قوى إقليمية متعددة، في سياق تتداخل فيه المصالح بصورة تتجاوز حدود السيادة التقليدية.

التجربة التاريخية: دروس لا ينبغي تجاهلها

عندما دخلت القوات التركية المصرية السودان عام 1821 بقيادة محمد علي باشا، كان الهدف المعلن توسيع النفوذ، غير أن الواقع كشف عن سياسات تركت آثارًا عميقة في بنية المجتمع والدولة، تمثلت في الاستنزاف الاقتصادي عبر الضرائب، واستغلال الموارد، ومركزية السلطة، وتهميش القيادات المحلية، إلى جانب ممارسات قمعية واجهتها مقاومة شعبية انتهت بالثورة المهدية.

هذه التجربة تظل شاهدًا على أن غياب السيادة الوطنية يفتح الباب أمام إعادة إنتاج أنماط الهيمنة، حتى وإن اختلفت أدواتها.

المؤسسة العسكرية: بين الدور الوطني وتعقيدات الواقع

منذ الاستقلال، ظل يُنظر إلى الجيش السوداني باعتباره ركيزة أساسية لحماية وحدة البلاد. غير أن مسيرته لم تخلُ من تحديات عميقة، تمثلت في التدخلات السياسية المتكررة، والانخراط في صراعات داخلية، فضلاً عن التفاعل مع محاور إقليمية ودولية في سياقات مختلفة.

وفي ظل الحرب الراهنة، باتت الصورة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد الصراع محصورًا في إطاره الداخلي، بل تشابكت فيه أبعاد خارجية متعددة، الأمر الذي يفرض مراجعة جادة لدور المؤسسة العسكرية، بما يعيد تأكيد موقعها كحامٍ للوطن، بعيدًا عن الانزلاق إلى ساحات التنافس الإقليمي.

هذه القراءة لا تستهدف الإدانة، بل تسعى إلى إضاءة واقع يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا يعزز من استقلالية القرار الوطني.

النفوذ الحديث: أدوات جديدة لهيمنة غير مباشرة

لم تعد السيطرة الخارجية تُمارس عبر الاحتلال المباشر، بل عبر وسائل أكثر تعقيدًا، تشمل الدعم السياسي والعسكري غير المباشر، والتحالفات التي تؤثر على القرار الداخلي، إضافة إلى أدوات إعلامية تُعيد تشكيل الوعي العام، وشبكات أيديولوجية عابرة للحدود.

وفي هذا السياق، تسعى قوى إقليمية—كل وفق حساباته—إلى ترسيخ حضورها في السودان، مستفيدة من حالة الانقسام والتشظي الداخلي.

الإعلام والوعي: معركة لا تقل أهمية

في عصر المعلومات، لم تعد المعارك تُخاض في ميادين القتال فقط، بل امتدت إلى فضاءات الوعي والإعلام. فالإعلام يمكن أن يكون أداة للتحرر وبناء الوعي الجمعي، كما يمكن أن يتحول—في غياب المهنية—إلى وسيلة للتوجيه أو التضليل، خاصة في أوقات الأزمات.

نداء وطني: نحو بناء مشروع جامع

إن ما يمر به السودان اليوم يمثل لحظة مفصلية تتطلب إعادة صياغة المشروع الوطني على أسس جديدة، تقوم على الوعي الجامع، وتجاوز الانقسامات، وبناء مؤسسات دولة تقوم على العدالة والشفافية.

كما يبرز دور المجتمع المدني والإعلام المستقل كركيزتين أساسيتين في هذه المرحلة، إلى جانب ضرورة تمكين مجتمعات الهامش لتكون شريكًا أصيلاً في صناعة القرار، لا متلقياً لتداعياته.

خاتمة

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يتشابه حين تتكرر شروطه. والسودان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يؤسس لدولة وطنية مستقلة تُدار بإرادة أبنائها، أو يستمر في دائرة الصراع والتبعية.

المطلوب ليس الخوف، بل الوعي. وليس التفرق، بل العمل المشترك من أجل وطنٍ معافى، موحد، يتسع للجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!