
نجوي بابو
في السودان اليوم، لا تُقاس المأساة بعدد المعارك ولا بخريطة السيطرة، بل تُقاس بدموع الأمهات، بصمت القرى التي أُفرغت من أهلها، وبأحلام الأطفال التي توقفت عند صوت الرصاص. هناك، حيث كان الناس يعيشون حياة بسيطة رغم الصعاب، أصبحت الحرب واقعًا يوميًا يسرق منهم الأمان والكرامة.
هذه ليست مجرد حرب بين أطراف مسلحة، بل هي أزمة إنسانية عميقة تمسّ كل بيت وكل أسرة. ملايين السودانيين وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى، بلا تعليم، بلا رعاية صحية، وبلا أفق واضح للمستقبل. ومع كل يوم يستمر فيه القتال، تتسع دائرة الألم، ويزداد الشعور بأن الإنسان هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة القاسية.
هذا المشهد، تتراجع القيم الإنسانية أمام منطق القوة. تُستهدف القرى، تُدمّر البنية التحتية، ويُحرم الأطفال من أبسط حقوقهم في التعلم والحياة الآمنة. والأسوأ من ذلك، أن الإحساس بالتمييز والتهميش يتعمق، مما يهدد بتفكيك ما تبقى من الروابط التي تجمع السودانيين ويؤسس الي ثارات والطريق المسدود
ورغم كل هذا الظلام، لا يزال هناك أمل. أمل في أن يدرك الجميع أن الحرب لن تمنح كرامة، ولن تبني وطنًا، ولن تحفظ مستقبل الأجيال القادمة. السلام وحده، القائم على العدالة والاعتراف المتبادل، هو الطريق الذي يمكن أن يعيد للسودان توازنه وإنسانيته.
إن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق القيادات وحدها، بل هي مسؤولية جماعية ومسؤولية كل من يؤمن بأن هذا الوطن يسع للجميع. فالسودان ليس ملكًا لفئة، ولا حكرًا على جهة، بل هو وطن مشترك يجمع شعوبًا متعددة، يجمعهم تاريخ واحد ومصير واحد.
إن هذه اللحظة تتطلب إرادة، صدق ،شجاعة إيقاف الحرب، شجاعة الإصغاء لصوت الضحايا، وشجاعة اختيار السلام حتى وإن بدا صعبًا. لأن الاستمرار في هذا الطريق لن يقود إلا إلى مزيد من الألم، وربما إلى فقدان الوطن نفسه.
في النهاية، سيبقى السؤال الإنساني البسيط حاضرًا: كم من الأرواح يجب أن تُفقد قبل أن نختار السلام؟ وكم من الألم يجب أن يُعاش قبل أن ندرك أن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا؟
السودان اليوم لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر، بل يحتاج إلى انتصار الانسانيه .



