
دموع تُعيد تعريف الدولة
حديث التنوير
حين تعجز الكلمات عن حمل الحقيقة، تتكفّل الدموع بقولها كاملة
في لحظةٍ لا تُشبه سواها، وفي مشهدٍ تختلط فيه جغرافيا الألم بنداءات الحياة، لم يكن الصوت هو الأعلى، بل الدمع. هناك، في الفاشر، حيث تتكئ المدن على ذاكرة الجراح، وحيث يتعلّم الناس كيف يصنعون من الصبر وطناً مؤقتاً، وقف رئيس الوزراء لحكومة الوحدة الوطنية والسلام الأستاذ محمد حسن عثمان التعايشي، لا ليلقي خطاباً محفوظاً، ولا ليكرّر مفردات السياسة المعتادة، بل ليصمت… ثم تبكي عيناه بما عجزت عنه كل الخطب. كانت تلك الدموع، في جوهرها، بياناً سياسياً من طرازٍ نادر، مكتوباً بحبر الإنسانية، وممهوراً بتوقيع القلب قبل العقل.
حين قال له أحد المواطنين، بلهجةٍ تختصر سنواتٍ من القهر: “كنا نأكل الأمباز في السابق، لكن الآن نحن نأكل ما لذّ وطاب بفضل الله وفضل التحالف السوداني التأسيسي”، لم تكن العبارة مجرد حديثٍ عن الطعام، بل كانت إعلاناً عن تحوّلٍ في المعنى، انتقالاً من العوز إلى الكرامة، ومن الهامش إلى مركز الشعور بالحياة. تلك الكلمات، الخارجة من عمق المعاناة، لم تمرّ مرور العابرين، بل وجدت طريقها إلى وجدان الرجل، فاهتزّ قلبه قبل أن ترتجف ملامحه، وسالت دموعه شاهدةً على لحظةٍ تلتقي فيها السياسة بالإنسان.
هنا تحديداً، تتكشّف الفروق الجوهرية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروعٌ يرى الإنسان رقماً في حسابات القوة، ومادةً خاماً في معادلة السيطرة، وآخر يراه غايةً لكل السياسات، ومركزاً لكل المعاني. مشروعٌ يقسو حتى يتبلّد، ويبرّر الألم بوصفه ثمناً ضرورياً، وآخر يلين حتى يسمع أنين الضحايا، ويعتبر الألم جريمةً لا قدراً. وفي هذا الفارق، تتجلّى دموع التعايشي كخطٍ فاصلٍ بين عالمين: عالمٍ يرقص على وجع الناس، وآخر ينحني احتراماً لمعاناتهم.
إن الدموع، في هذا السياق، ليست انكساراً كما قد يتوهّم البعض، بل هي أعلى درجات الصدق حين تبلغ الإنسانية ذروتها. فالقائد الذي يبكي لأجل شعبه، لا يعلن ضعفاً، بل يكشف عن قوةٍ أخلاقية نادرة، قوة الانحياز الكامل للإنسان. والتعايشي، في تلك اللحظة، لم يكن يمثّل حكومةً فحسب، بل جسّد فكرة الدولة التي تحنو، الدولة التي تشعر، الدولة التي تفهم أن السياسة، إن تجردت من القلب، تحوّلت إلى آلةٍ باردة لإدارة الألم.
لقد اعتاد السودانيون، طويلاً، على مشاهد السلطة وهي تتحدث من علٍ، بلا إنصات، وبلا اكتراث، تكتفي بإصدار الأوامر وتبرير الإخفاقات. لكن ما حدث في الفاشر قلب المعادلة رأساً على عقب: السلطة تنزل إلى الأرض، تُصغي، تتألم، وتبكي. وهنا تكمن الدهشة الحقيقية؛ أن تتحوّل الدموع إلى خطابٍ جامع، يفهمه الجميع دون ترجمة، ويقرأه الناس بلغتهم الأولى: لغة الشعور الصادق.
لم يكن ذلك المشهد مجرد زيارةٍ بروتوكولية، بل كان إعلاناً غير مكتوب عن ملامح مشروعٍ جديد، مشروعٍ يحنو حيث اعتاد الآخرون القسوة، ويستمع حيث اعتاد غيره الإملاء. مشروعٌ يرى في المواطن شريكاً في المعنى، لا تابعاً في الهامش، ويجعل من الكرامة هدفاً لا شعاراً. ولهذا، بدت دموع التعايشي كأنها تقول ما لا يُقال: إن بين من يرسل الموت إلى القرى قصفاً بالطيران، ومن يمسح الدمع عن عيون أهلها، مسافةً أخلاقية لا تختصرها السياسة ولا تُغطيها الشعارات.
إن الشعوب المقهورة لا تبحث فقط عن لقمةٍ تسدّ الرمق، بل عن معنى يُعيد إليها ثقتها في الحياة. تبحث عن إشاراتٍ صغيرة تقول لها إن هناك من يراها، من يسمعها، من يتألم لأجلها. وحين تبكي السلطة، فإنها تعيد تعريف العلاقة بينها وبين الناس، من علاقة هيمنة إلى علاقة مسؤولية، من سلطةٍ تُخيف إلى سلطةٍ تُواسي. ولذلك، لم تكن تلك الدموع شخصيةً تخصّ رجلاً بعينه، بل كانت عامة، سالت من عينٍ واحدة، لكنها عبّرت عن وجدان شعبٍ كامل.
لقد استطاع التعايشي، في تلك اللحظة الإنسانية النبيلة، أن يجسّد قيم التوادد في أسمى صورها، وأن يبعث برسالةٍ التقطتها الشعوب المقهورة سريعاً، وفهمت مقصدها بوضوح: أن هناك مشروعاً ينبض بالحيوية والرغبة في الانعتاق، ومشروعاً آخر يسعى إلى التحكم في رقاب العباد، بلا اكتراثٍ بآلامهم. وبين المشروعين، يقف الناس، شهوداً على الفرق، وميزاناً أخلاقياً لا يخطئ.
التاريخ، في جوهره، لا يحتفظ بكل التفاصيل، لكنه يخلّد اللحظات الفارقة التي تغيّر مسار الشعور الجمعي. وهذه واحدة من تلك اللحظات. لحظةٌ لم تُكتب بالحبر، بل بالدمع، ولم تُحفظ في الأرشيف، بل في الوجدان. لحظةٌ أعادت تعريف السياسة، لا بوصفها صراعاً على السلطة، بل مسؤوليةً تجاه الإنسان.
ولعل أعظم ما في هذا المشهد أنه لم يكن تمثيلاً، ولا استعراضاً، بل صدقاً خالصاً. فالدموع لا تُدرّب، ولا تُصطنع بإتقان، بل تنفلت من أعماق النفس حين يبلغ الشعور مداه. ومن هنا، فإن دموع التعايشي لم تكن نهاية مشهد، بل بداية قراءةٍ جديدة لما يمكن أن تكون عليه الدولة حين تستعيد إنسانيتها.
هكذا، يتحوّل الدمع إلى موقف، وتغدو الإنسانية برنامجاً سياسياً، ويتحوّل الحزن إلى وعدٍ بالانعتاق. وفي زمنٍ تتشابه فيه القسوة، تبرز هذه اللحظة كعلامةٍ فارقة: أن الدولة يمكن أن تُبنى بالقلب كما تُبنى بالعقل، وأن القائد الذي يبكي لآلام شعبه، إنما يكتب فصلاً جديداً في معنى القيادة. فليست كل الدموع ضعفاً… بعضها، حين يكون صادقاً، هو أقوى من ألف خطاب، وأصدق من كل الشعارات.
نجم الدين دريسة




