
دكتور خالد تارس
في انتهاك متكرر على أمن المدنيين، أصبح الموت لا يأتي من المقاتلين في خطوط التماس، فقد صار جزء من (الأقدار) التي يحملها طيران الإخوان مُسيّرة، الطيران الموجهة للمواطنين العزّل في الأسواق والشوارع، الذين احتموا بالقطاطي والرواكيب، حيث آخر ما تبقى من حصون الأمان. فقد شاهد العالم كيف تحول الموت إلى روتين يومي في سياق الحرب التي تُدار بآلية تُفرغ الحياة من معناها، وفي وحشتها تُعيد تعريف الجبهات العسكرية لتشمل القرى والفرقان والتجمعات السكنية في المدن (الآمنه).!
وما نشهده اليوم من تغير في استراتيجية في مسار المعركة يعد تحوّل نوعي في طبيعة الحرب وغرف السيطرة التي تديرها كتائب الإخوان المسلمون. لقد تغيّرت استراتيجية التدمير، فلم تعد الأهداف العسكرية هي الغاية بقدر ما عاد المدنيون أهدافا مشروعة. وقد اتضح جلياً ان طيران البرهان المدعوم بأذرع الحركة الإسلامية، لم يتحرك وفق منطق الاشتباك مع في ساحة القتال، كما يتحرك بمنطق العقاب الجماعي الانتقامي، حيث بات يستهدف المجتمعات كوسيلة للضغط السياسي، واستخدم المدنيون كورقة (مساومة) في معادلة الصراع.!
ولفهم هذا الانزلاق، لا بد من قراءة ما وراء الضربات الجوية التي تستهدف الأسواق والمنازل وتقتل الأطفال في المشافي، وبالطبع لا يمكن تفسيرها في سياق الأضرار الجانبية كما يحلو لغرف التضليل تسويقه، هي قطع شك جزء من تكتيك يهدف إلى كّسر إرادة (الاشاوش) عبر ضرب حواضنهم الاجتماعية. ويعتبر قصف المدنيين رسالة ماكرة للمقاتلين مفادها أن أي تقدم عسكري سيقابله ثمن باهظ تدفعه مجتمعاتهم، حيث يمكن تفسرها ضمن سياسة ليّ الذراع عبر استهداف الأبرياء والتي يتحول فيها (الألم) الجماعي إلى أداة ضغط سياسي، وهو إنكشاف أن الضربات على المواطنين جزء من تكتيكًات القذرة لجيش البرهان في ارتكاب إبادة جماعية.!
ما يجعل هذا المشهد أكثر اتساخاً هو الصمت الدولي المريب وليس وحشية أفعال البرهان. في الوقت الذي تُرتكب فيه أبشع الانتهاكات ضد الإنسانية أمام العالم، تقف القوى الدولية متفرجه كأن الدم السوداني لا يستحق حتى بيانات الإدانة الروتينية. هذا الصمت في جوهره تواطؤ غير معلن، وقبول ضمني باستمرار هذه الجرائم ما دامت لا تهدد (توازنات) المصالح.!
لقد أثبتت التجارب أن الإفلات من العقاب يشكل وقود حقيقي لاستمرار الانتهاكات. وكلما طال صمت الفاعليين في المجتمع الدولي إزداد المجرمين جرأةً في توسيع دائرة الإستهداف، حتى أصبح القتل الجماعي سياسة رسمية، حيث يعمل المجرمين لتحول هذا النوع من الجرائم إلى أدوات تفاوض تختزل الإنسان في معادلة الحرب، ويبقى الرهان في كسر إرادة المجتمعات عبر القصف هو رهان خاسر سياسيًا، فالتاريخ يتحدث أن الشعوب التي تُستهدف في وجودها لا تنكسر، لكنها تعيد إنتاج المقاومة بأشكال أكثر شراسة. إن استراتيجية استهداف المدنيين لا تُضعف الخصم بقدر ما تُعمّق جذور الصراع، وتُوسّع فجوة (الكراهية)، لدفع البلاد كلها نحو مزيد من التفكك والانهيار.!
إن ما حدث من استهداف للمدنيين بالطيران المسيّر هو اختبار أخلاقي وسياسي للفاعلين الوطنيين وللمجتمع الدولي الذي يدّعي حماية القيم الإنسانية. ويبقى المواطن السوداني في مواجهة الأقدار، يقتل بالطيران دون رحمة والمنظمات الحقوقية تراقب في سكون، اي سلطة في هذا الكون يمكن أن تبني شرعيتها على أشلاء الشعوب، حتى الحروب يمكن ان تُحسم بالقوة، لكن الأوطان لا تُبنى إلا بالعدالة، وما دون ذلك ليس هو تأجيل فقط لانفجار أقوى.




