
دكتور ناصر ساتي
هذا المقال لا يطرح سؤالاً حول أهداف مصر من جعل الدولة السودانية في حالة تبعية، فتلك أهداف معروفة لدى القاصي والداني، إذ أن من نافلة القول الإشارة إلى أنه ليس من مصلحة مصر أن يستغل السودان موارده من ذهب ومياه وأراضٍ زراعية، فمصر ترى أن نهضة السودان ستؤثر على أمنها القومي إذا نهض، وأن نهضة السودان قد تؤدي إلى خروجه من تحت العباءة المصرية التي تم تفصيلها قبيل الموافقة على منحها حق تقرير المصير للسودان في صفقة بدت تظهر خطوطها.
أبقت مصر السودان في مدار فلكها حتى تستخدمه كمخلب قط ضد جيرانه الذين ترى مصر فيهم قوة مهددة لوجودها ومصالحها، ومن حق مصر أن ترى في جيران السودان ما ترى وكما ترى، ولكن لماذا لا تذهب مصر إلى مواجهات مباشرة مع هذه الدول دون جرجرة السودان وضرب علاقاته ومصالحه الإستراتيجية مع هذه الدول، سيما إثيوبيا؟ إذا كانت الجغرافيا لا تميل لصالح السودان في التورط في مواجهات عسكرية ضد الجارة إثيوبيا، وهو الأدرى بطبيعة الجغرافيا أكثر من مصر، فإنه يبقى الطبيعي أن هذه الجغرافيا أيضاً ليست لصالح مصر للقيام بأي مواجهات مباشرة وهي البعيدة عن هذه الجغرافيا.
مصر تعلم هذه الحقيقة، فقد جربت من قبل التورط في معركة بعيدة ونالت أكبر هزيمة في تاريخها بسبب ذات هذه الجغرافيا. نعم، مصر تدرك حقيقة أن أي مواجهة مباشرة ضد إثيوبيا هي الخاسرة، لذا لن تقدم عليها، ولماذا تقدم عليها طالما هناك “مخلب قط” اسمه السودان يقوم بهذا الدور؟
المخجل هو استجابة الدولة السودانية منذ أول حكومة أو برلمان لهذه التبعية، وإدمانها لها، وقبولها أن تلعب دور مخلب القط ضد الجيران، خاصة إثيوبيا. فمصر كما قلنا ضعيفة أمام إثيوبيا، وموقفها من سد النهضة أثبت ذلك، فكل تهديداتها ضد سد النهضة ذهبت هباءً منثوراً مع رياح الوادي، فقد بدأ السد فكرة وأصبح واقعاً، وخلال كل مراحله كانت مصر تهدد وتتوعّد، ولكن في إعلامها فقط، أما على الأرض فكان الدور يتم إسناده لمخلب القط “السودان” لفتح جبهة شرقية مع الشقيقة إثيوبيا.
لكن ظل الأحباش، لحسن حظ شعوب السودان وسوء حظ مصر، يدركون حقيقة المعركة ويعرفونها بأنها معركة مصرية وليست سودانية، وهو ما جعل الإثيوبيين لا يستجيبون للمخطط المصري في فتح جبهة حرب على حدودهم الغربية، مما أفشل كل المخططات القديمة، بل إن أديس أبابا لم تكن متحمسة حتى في الرد على الخطاب الإعلامي الحربي السوداني.
فشلت مصر في جر السودان إلى حرب شاملة مع إثيوبيا، لأن مصر تجهل تاريخ العلاقات بين الشعبين ومواقفهما التاريخية في دعم ومساندة بعضهما البعض.
وهنا نورد مقتطفاً للدكتور جعفر مرغني ورد في مقال كتبه الدكتور عمر فضل الله على صفحته في “فيسبوك”:
“من يفهم الأمور على جليتها يدرك أن أمن السودان هو أمن الحبشة، وأمن الحبشة هو أمن السودان. ووجود قوات أجنبية على الأراضي السودانية أمر غير مقبول ولا محتمل بالنسبة لإثيوبيا على مر العصور. ولم تحاول الحبشة يوماً أن تحتل السودان فتضمه، إلا أنها متى رأت السودان يُحتل ويُضم بالقوة تدخلت، وحق لها؛ فهذان البلدان هما في الحقيقة شطران لكيان تاريخي وثقافي واحد.
والموقف الذي فرضته الحملة المصرية التركية على السودان عام 1821 هو ذات الموقف الذي فرضته عليه الحملة المصرية البريطانية عام 1899. وموقف رأس علي لإيقاف التقدم الأجنبي على الأراضي السودانية عند غزو السودان الأول، كموقف منليك الذي أعلن عند الغزو الثاني أن الأرض السودانية أرض إثيوبية، وأنه لن يسمح باحتلالها من قبل القوى الأجنبية، وكاتب الخليفة عبد الله في ذلك.
وحين واجهت القوات البلجيكية من جهة الكنغو القوات السودانية على أيام الخليفة عبد الله، أرسل منليك وحدات مساندة للسودان من الجيش الإثيوبي.
وقد شرحت في غير هذا المقام كيف أن وجود قوات أجنبية على الأراضي المصرية هو أيضاً أمر غير محتمل. فكان موقفاً استراتيجياً ثابتاً في هذا الإقليم النيلي بأسره أن لا يتعرض طرف منه لغزو إلا تداعى لرده سائر الأطراف، ومقتضى السلام الأول فيه أن لا تتخطى دولة من دوله بقواتها المسلحة حدودها إلى داخل الدولة الأخرى.”
إذن الفرق الآن بين الشخصية السياسية لما قبل الاستقلال والشخصية السياسية لما بعد الاستقلال. فمصر في الفترة المهدية كانت تواجه عقلية ثورية تفضل الموت على الانبطاح، وتعرف كيف تتحالف مع الجيران في مواجهة أي عدو مشترك، أما في فترة ما بعد الاستقلال فقد وجدت مصر في الخرطوم شخصية سياسية رخوة قابلة للترويض والتخدير الأيديولوجي باسم القومية العربية، فخرج السودان من ثوريته الإفريقية، واختار بمحض إرادته أن يكون تابعاً يدور في الفلك المصري، يسبح باسم القومية العربية الزائفة تارة، وباسم العلاقات الأزلية تارة أخرى، بينما أسوأ علاقات أزلية سجلها التاريخ كانت بين مصر وجنوبها، حيث لم تنقطع غزوات مصر على تاسيتي وكوش ونبتة والمقرة ومروي، ولم تتوقف حتى الآن عن نهب جميع ثرواته.
يجب على الخرطوم أن تكف عن لعب دور مخلب القط، وهو دور مخجل لا يليق بوطن يملك تاريخاً عظيماً.
دكتور ناصر ساتي



