رأي

أمانة الأرض وعهد الشهداء: نداء المسؤولية في فجر السودان الجديد

إبراهيم الشيخ بشارة

 

إبراهيم الشيخ بشارة

تقف الأمم في تاريخها أمام لحظات فارقة، لا تحتمل الارتجال أو الالتفاف، بل تتطلب وقفة شموخ تليق بعظمة التضحيات. واليوم، والسودان يلملم جراحه من وسط ركام الحرب وويلات النزوح، يجد كل من يتقلد منصباً أو يتصدر مشهداً نفسه أمام محراب المسؤولية التاريخية. إن الكرسي الذي تجلس عليه اليوم ليس امتيازاً تشريفياً، بل هو “تكليفٌ بدم الشهداء”، وأمانةٌ ثقيلة في عنق كل من ينوب عن هذا الشعب الصابر في حماية ممتلكاته وصون أرضه.

المنصب: نيابة عن الشعب لا سيادة عليه

إن الذين يتبوأون مقاعد المسؤولية في هذه المرحلة التأسيسية هم، في جوهر الأمر، وكلاء ونواب عن شعبٍ قدّم الغالي والنفيس. هذه الأرض التي نخطو عليها لم تكن هبة مجانية، بل هي إرثٌ معمدٌ بدم نفرٍ عظيم من الشهداء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. لذا، فإن الحفاظ على مقدرات الوطن وممتلكاته ليس مجرد إجراء إداري، بل هو ضرورة قصوى ووفاءٌ لعهدٍ غليظ. إن التفريط في شبرٍ من الأرض أو في حقٍ من حقوق المواطن هو نكران للتضحيات التي بذلها السودانيون في سبيل كرامتهم.

أركان الحلم: أمنٌ، تعايشٌ، وتعافٍ

يتطلع المواطن السوداني، الذي أنهكته النزاعات وشردته المآسي، إلى “سودان جديد” لا يكون مجرد شعار براق، بل واقعاً ملموساً يرتكز على أعمدة صلبة:

بسط الأمن: ليعود النازح إلى داره، والمزارع إلى حقله، والطفل إلى مدرسته، دون خوف أو وجل.

التعايش المجتمعي: رتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته الفتن، وتكريس مبدأ المواطنة التي تستوعب الجميع تحت مظلة الوطن الواحد.

التعافي من الويلات: محاربة الفقر وتبعات الحرب ليس بالوعود، بل بحماية الموارد وحسن إدارتها، لتبدأ عجلة الحياة في الدوران من جديد.

ثورة الوعي والبناء

إن الثورة السودانية، بعنفوانها ونبل مقاصدها، إذا استُثمرت طاقاتها بالطرق الصحيحة وُوجهت نحو البناء والإنتاج والمسؤولية المجتمعية، فلن تكتفي بتحقيق الاكتفاء الذاتي للسودان فحسب، بل ستفيض بخيراتها لتكفي غيرها. إننا نملك من الموارد البشرية والطبيعية ما يؤهلنا لنكون منارةً إقليمية، شريطة أن تخلص النوايا وتتجه الجهود نحو حماية “الأرض والعرض” من الضياع.

خاتمة: رسالة إلى ضمير المسؤول

إن التاريخ لا يرحم المتخاذلين، والشعوب لا تنسى من خذلها في ساعات العسرة. اجعلوا من مناصبكم منطلقاتٍ لخدمة الأرض والإنسان، لا مكاسب ذاتية تزول. كنوا على قدر عظمة السودان، وتذكروا أن كل قرار تتخذونه اليوم هو حجر زاوية في بناء وطنٍ نحلم به جميعاً؛ وطنٍ يسوده العدل، ويحرسه الوعي، وتزينه الكرامة.

إن السودان الجديد ليس مستحيلاً، بل هو حلمٌ يقترب بقدر ما نخلص في تحمل مسؤوليتنا تجاه هذه الأرض الطاهرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!