
عباس احمد السخي
التنوع في حد ذاته ليس مشكلة، بل هو ثراء الأمم، ومصدر حيوي لقوتها ونموها إذا أحسنت الدولة إدارته ضمن مشروع وطني جامع. فإدارة التنوع تعني توزيع السلطة والثروة والتمثيل بعدالة بين مكونات المجتمع كافة، دون تمييز عرقي أو جهوي أو ديني. أما حين تفشل الدولة في إدارة هذا التنوع، فإن ما كان يفترض أن يكون مصدر وحدة يتحول إلى لعنة تمزق النسيج الوطني وتفكك الأمة، كما حدث في السودان حين انفصل الجنوب بعد حروب دامت منذ ما قبل الاستقلال الاسمي في عام 1956. ذلك الانفصال لم يكن سوى نتيجة مباشرة لعجز النخبة الحاكمة عن استيعاب التنوع وإدارته في إطار من العدالة والمواطنة المتساوية.
لقد وصف الفريق عبدالرحيم دقلو الجيش السوداني بأنه «ضب راسو أحمر»، وهي عبارة رمزية عميقة الدلالة، تلخص ما يعتمل في باطن المؤسسة العسكرية من خلل بنيوي وهيكلي متجذر منذ تأسيسها. فالجيش السوداني – كما تشير العبارة – لم يكن في أي وقت جيشًا وطنيًا يعكس تركيبة البلاد المتعددة، بل كان مؤسسة محتكرة من قوميات محددة، تولت القيادة العليا فيها منذ أيام ما يُعرف بـ«البازنقر» تحت إمرة تجار الرقيق الشماليين. هذا الإرث التاريخي صنع مؤسسة عسكرية مغلقة، تنتمي إلى قبائل بعينها وتتعامل مع بقية السودانيين باعتبارهم مادة خام للحرب أو للسيطرة لا شركاء في الوطن.
حين قال دقلو إن الجيش «ضب راسو أحمر»، لم يكن يطلق نعتًا اعتباطيًا أو لغويًا، بل كان يصف واقعًا فعليًا لمؤسسة انغلقت على ذاتها حتى أصبحت معزولة عن المجتمع. فالقيادة العليا للجيش من كبار الضباط حُصرت لعقود طويلة في ثلاث قوميات فقط، ما جعل القوة المميتة – وهي جوهر الدولة الحديثة – محتكرة داخل هذه المجموعات. هذا الوضع جعل من الجيش أداة سلطوية تحرس مصالح محددة، لا مؤسسة وطنية تحمي الجميع. وهكذا، حين تُحتكر القوة في يد قبائل محددة، فإن الدولة نفسها تتحول إلى مشروع قبلي يتناقض مع فكرة المواطنة.
ومع مرور العقود، لم تتوقف أزمة «الضب الراسو أحمر»، بل ظلت تتفاقم حتى غدت أزمة هوية شاملة. فالمؤسسة العسكرية التي يفترض أن تكون بوتقة انصهار للهويات، تحولت إلى مرآة مشوهة لانقسام السودان. ومع كل حرب أو أزمة، كانت هذه الاختلالات البنيوية تنفجر في وجه البلاد: في جنوب كردفان، في النيل الأزرق، في دارفور، ثم في كردفان الكبرى. لقد أفرزت هذه التركيبة غير المتوازنة حروبًا أهلية متكررة، انتهت بالحرب الشاملة الراهنة التي تهدد وجود الدولة نفسها.
غير أن هذه الحرب، على قسوتها، قد تكون – على نحو مؤلم – فرصة كشف ومراجعة. إذ للمرة الأولى، واجه «الصب الأسود» رأسه الأحمر في معركة مفتوحة بين مركز احتكر القوة والهامش الذي ظل مهمشًا لعقود. هذه المواجهة المريرة جعلت أبناء الهامش يدركون أن جوهر المأساة السودانية ليس في الأشخاص أو الانتماءات الطائفية، بل في الخلل البنيوي الذي صاغ الدولة منذ ميلادها. الخلل الذي جعل من الجيش امتدادًا للسلطة لا أداة للوطن، ومن الهوية سلاحًا للتفريق لا رابطة للانتماء.
إن الدرس الأكبر الذي يجب أن يخرج به السودان من هذه الحرب هو أن إدارة التنوع ليست ترفًا فكريًا، بل شرط وجود الدولة نفسها. فحين يفشل النظام السياسي في تحويل تنوعه إلى طاقة إنتاجية، يتحول التنوع إلى كارثة. السودان اليوم يدفع ثمن سبعين عامًا من سوء الإدارة والتهميش، ومن استعلاء المركز على الأطراف. ولعل اللحظة الراهنة تمثل نداءً أخيرًا لبناء دولة جديدة، تقوم على مفهوم المواطنة المتساوية وتوزيع عادل للسلطة والثروة، ليصبح التنوع سندًا للوحدة لا وقودًا للتمزق.
إن الجيش الذي يظل «ضب راسو أحمر» لن يبرأ من أمراضه البنيوية أبدًا. فلا خلاص للسودان إلا بجيش وطني يعكس ألوانه ولهجاته وتعدده الثقافي، وبهوية جامعة تضع الإنسان قبل القبيلة، والمواطنة قبل العرق. عندها فقط يمكن أن يخرج السودان من لعنة التاريخ، ويحول تنوعه من أزمة إلى معجزة.




