كيف يستقيم الظل و العود اعوج 116؟ اغتيال الدولة : دمٌ يُسفك… وعيون يجب أن تُفتح
الصديق المريود .. اريزونا

الصديق المريود
أريزونا – الولايات المتحدة الأمريكية
2026- 2 أبريل
لم يعد اغتيال القيادات المدنية في السودان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه ببيانات الشجب والإدانة، بل أصبح عنوانًا لمرحلة خطيرة تُستهدف فيها فكرة الدولة نفسها، ويُختبر فيها معنى الحماية والسيادة.
اغتيال الشاب المناضل أسامة حسن حسين، أحد أبناء دارفور وعضو الهيئة القيادية لتحالف “تأسيس” و رئيس التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية لم يكن مجرد حادثة أمنية، بل جريمة سياسية مكتملة الأركان، تكشف حجم التهديد الذي يواجه كل من يحمل مشروعًا وطنيًا يسعى للعدالة والحرية.
لقد كان أسامة صوتًا صادقًا لا يخبو، ونبضًا حيًا لقضية لم يتخلّ عنها رغم المخاطر التي أحاطت بها إحاطة السوار بالمعصم. لم يكن شابًا عاديًا، بل كان تجربة متقدمة في الوعي والموقف، أفكاره تسبق عمره، وثباته يفوق سنواته. كان من أولئك الذين لا ينحنون أمام الباطل، ولا يساومون على الحق، ولا يتراجعون حين تتعاظم التضحيات.
إن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق أوسع من العنف المنظم، المرتبط بما يُعرف بجيش الحركة الإسلامية، وهو كيان ظل في وجدان السودانيين حاضرًا في كل مفاصل الدم والانفلات. إن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقع على القيادات التي تمثل هذا المشروع، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان وعلي كرتي، بوصفهم رموزًا لمرحلة لم تستطع أو لم ترد أن تحمي المدنيين، بل ارتبطت في وعي الشارع بدورات العنف، والاغتيالات، واستهداف الأبرياء. إن استمرار هذا النمط من القتل والسحل والاغتيال الجبان، واستهداف الأعيان المدنية، وسقوط الأطفال والنساء والمسنين، ليس فقط انتهاكًا للقيم والأخلاق، بل خرق صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية.
حين يُغتال مدني داخل منزله، في مدينة مثل نيالا، فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من نفّذ؟ بل: كيف حدث ذلك أصلًا؟ هذا النوع من العمليات لا يقع في فراغ، بل يكشف عن اختراقات أمنية خطيرة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول من يسيطر على الأرض، ومن يملك القرار، ومن يتحمل مسؤولية الحماية. لقد أثبتت تجارب العالم، من الحرب في البوسنة إلى الإبادة الجماعية في رواندا، أن الفشل في حماية المدنيين هو أول درجات الانهيار.
ما يحدث اليوم في أماكن سيطرة حكومة تاسيس ليس جديدًا، بل هو امتداد لجراح لم تلتئم، لكن الأخطر أن تعود ذات الأدوات لإعادة إنتاج المأساة. لقد كان استهداف أسامة رسالة واضحة بأن كل من يحمل مشروعًا للتغيير يمكن أن يكون هدفًا، وأن محاولة قتل الأمل تسير بالتوازي مع قتل الإنسان.
وهنا يجب أن يكون الخطاب واضحًا وصريحًا: إن حكومة السلام (تأسيس) اليوم أمام اختبار حقيقي، لا يحتمل المجاملة ولا التأجيل. فالحكومات لا تُقاس بالشعارات ولا تُبنى بالخطابات، بل تُقاس بقدرتها على حماية الناس وتأمين الأرض. إن أول واجبات أي سلطة هي حماية المدنيين، وتأمين القيادات المجتمعية والسياسية، وإغلاق كل الثغرات الأمنية التي يمكن أن تُستغل لاستهداف الأبرياء.
إن المطلوب اليوم ليس بيانات، بل إجراءات ملموسة على الأرض تأمين المدن، ضبط المجال الجوي، بناء منظومة استخبارات ورصد فعّالة، ومنع أي اختراق أمني مهما كان مصدره. فكل ثغرة تُترك دون معالجة، تتحول إلى كارثة، وكل إهمال يُبرر، يُكتب بالدم.
كما يجب التوقف بوضوح عند ظاهرة خطيرة بدأت تتسلل إلى بنية السلطة نفسها، وهي تعدد المناصب والتكليفات في يد أشخاص بعينهم، حيث يتولى الفرد الواحد أربع أو خمس مهام، ويستمر في السعي للمزيد، بينما الواقع على الأرض يكشف عجزًا واضحًا في أداء هذه المسؤوليات. إن إدارة الدولة ليست “بدلة ” تُرتدى، ولا موقعًا يُنتزع بالقتال من أجل المنصب، بل هي عمل يومي شاق، قائم على الكفاءة والانضباط والمساءلة.
من لا يستطيع أن يؤدي تكليفه الواحد بكفاءة، لن ينجح في خمسة، ومن يفشل في حماية موقعه ومسؤوليته، لا يجب أن يُكافأ بمزيد من السلطات، بل يجب أن يُحاسب. فالدولة لا تُبنى بتكديس المناصب، بل بتوزيع المسؤوليات على أهل الكفاءة، وتمكين من يثبت قدرته على الإنجاز الحقيقي، لا الحضور الشكلي و تمكين المجموعات.
إن التمكين الحقيقي للعدالة ليس شعارات، بل هو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ومحاسبته بوضوح، وإبعاده إن فشل، لا تدوير الفشل وتوسيعه.
لقد قُتل الجسد، لكن الفكرة لم تُقتل، وسيبقى اسم أسامة حسن حسين حاضرًا كرمز لجيل لم يقبل بالظلم، ولم يتراجع، ودفع الثمن كاملًا.
السودان اليوم أمام مفترق طرق إما دولة تحمي أبناءها وتغلق أبواب الفوضى، أو ساحة مفتوحة لكل من يحمل سلاحًا بلا مسؤولية. والتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، وكل تقصير اليوم سيدفع ثمنه الغد.




