رأي

تأملات في رفض البرهان والإخوان المسلمين المتكرر للهدنة رغم تراجع جيشهم وانكساراته المتتالية

عباس أحمد السخي

 

عباس أحمد السخي

منذ اندلاع هذه الحرب اللعينة، ظلّ موقف البرهان، ومن خلفه منظومة الإخوان المسلمين، تجاه الهدنة موضع تساؤل ودهشة. فبينما تتساقط مواقع جيشهم واحدًا تلو الآخر، وتتزايد الانكسارات في دارفور وكردفان والجزيرة، ويتم تجييش مجموعات قبلية وعرقية عديدة دون أن يتغير مسار القتال، يواصل البرهان رفض أي هدنة أو وقف لإطلاق النار، في تناقض واضح مع منطق العلوم العسكرية وفلسفة الحرب التي لطالما اعتبرت الهدنة أداة من أدوات المناورة وليست مؤشرًا على الضعف بالضرورة.

 

في فقه الحروب، تُعد الهدنة وسيلة استراتيجية تلجأ إليها الجيوش لأسباب متعددة، من بينها إعادة ترتيب الصفوف بعد ضغط قتالي كبير، أو كسب الوقت لإعادة التموضع، أو تغيير البيئة الميدانية بما يسمح بإدارة الحرب من موقع أفضل. وقد عرف التاريخ قادة أفذاذًا لم يترددوا في قبول الهدنة عندما كانت ضرورية لاستعادة زمام المبادرة أو لمنع الانهيار الكامل. فالقادة المحترفون يدركون أن الهدنة ليست انسحابًا ولا اعترافًا بالهزيمة، وإنما وسيلة موضوعية لحفظ القوة القتالية واستعادة القدرة على الفعل.

 

لهذا فإن القائد الذي يرفض الهدنة رغم تراجع قواته يكون غالبًا أمام احتمالين أساسيين: إما أنه يسعى إلى انتحار عسكري صريح، نتيجة العيش داخل دائرة مغلقة من الوهم والمعلومات المضللة، أو أنه عاجز عن اتخاذ القرار لأنه ببساطة لا يملك صلاحية إعلان الهدنة، حتى وإن كانت ضرورية لترتيب الصفوف وإعادة التموضع. وفي كلتا الحالتين، يكون الرفض مؤشرًا على خلل في المنظومة القيادية، لا على ثبات أو قوة.

رفض البرهان والإخوان المسلمين للهدنة رغم الانهيارات المتتالية التي تكبّدها جيشهم والقوات المساندة له – من مليشيات عرقية وقبلية وجماعات تُستجلب عند الحاجة – يكشف أن القرار ليس قرارًا عسكريًا محضًا. فالعلوم العسكرية تقرأ هذا الموقف باعتباره صراع إرادة لا صراع عقل. هناك عنصر أيديولوجي قوي يدفع باتجاه استمرار الحرب إلى أقصى مدى ممكن، حتى لو تحولت من معركة إلى انتحار جماعي. ويبدو أن حجم الانهيار الفعلي في الميدان يدفعهم إلى رفض أي هدنة لأن القبول بها سيكشف خطوط التماس الحقيقية، ويُظهر للعالم مدى التراجع الذي وصل إليه الجيش، ويقوّض الخطاب الدعائي الذي يروّج لنصر غير موجود على الأرض.

كما أن اتساع دائرة الفاعلين في القرار – بين ضباط متشددين داخل الجيش، وقيادات إخوانية، ومليشيات عرقية جرى تجييشها في لحظات اليأس – يجعل إعلان قبول الهدنة أمرًا شبه مستحيل، حتى لو اقتنع البرهان نفسه بضرورتها. فالقرار موزع بين جهات متعددة، بعضها يخشى أن تُسقط الهدنة ورقة التوت التي تتشبث بها لأسباب سياسية أو عقائدية، وبعضها الآخر ينتظر “معجزة” خارجية قد تغيّر مسار الحرب، في رهان يوصف في العلوم العسكرية بوهم الإنقاذ الخارجي، وهو رهان أثبت التاريخ مرارًا أنه يؤدي إلى كارثة مؤكدة.

إلى جانب ذلك، هناك الدافع السياسي التنظيمي الذي يجعل الإخوان المسلمين يفضّلون استمرار الحرب بلا هدنة، لأن الأزمة المفتوحة تمنحهم فرصة ربما لنجاة سياسية، حتى لو خسروا عسكريًا. فالحرب الطويلة تخلق فراغًا سياسيًا وأمنيًا، وتمنح التنظيم مساحة لإعادة ترتيب نفسه وإرباك المشهد، وهو أمر يعوّلون عليه أكثر مما يعوّلون على المكاسب الميدانية التي تتراجع يومًا بعد يوم.

لذلك يصبح الإصرار على رفض الهدنة رغم الهزائم المتراكمة تفسيرًا منطقيًا من زاوية العلوم العسكرية: إنه إما تعبير عن فقدان القدرة على اتخاذ القرار، أو اعلان غير مباشر عن الانتحار الاستراتيجي الذي تدفع إليه الأوهام الأيديولوجية، أو المحاولات اليائسة لشراء الوقت والمراهنة على متغير خارجي قد لا يأتي أبدًا. وفي كل هذه الحالات، لا يمكن للرفض أن يُقرأ باعتباره شجاعة أو صلابة، بل بوصفه مجازفة خطرة تتناقض مع أبسط قواعد القيادة العسكرية.

وهكذا تتضح الصورة: الهدنة ليست ضعفًا، بل فن من فنون الحرب، ورفضها في لحظة الانهيار ليس قوة، بل دليل على انهيار منظومة القرار نفسها. وبين البرهان والإخوان وما يدفعهم من اعتبارات أيديولوجية وتنظيمية، يبقى السؤال الملح: هل يرفضون الهدنة لأنهم لا يريدونها، أم لأنهم ببساطة لا يستطيعون إعلانها؟ وفي كلتا الحالتين، فإن الخاسر الأكبر هو السودان، الذي يدفع ثمن حرب لا تُدار بعقلية الدولة، بل بمنطق المغامرة والمقامرة، حيث يصبح استمرار القتال غاية في حد ذاته، لا وسيلة لحماية الوطن ولا لاستعادة توازنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!