رأي

بلاغة التراجع… أم تكتيك الخوف؟ ردًا على د. الوليد آدم مادبو

حسن النعمان

 

حسن النعمان

ما يُقدَّم اليوم بوصفه “تحولًا في الخطاب” ليس — في تقديري — سوى إعادة تموضع اضطرارية فرضتها موازين القوة الجديدة، لا مراجعة فكرية صادقة. فهؤلاء الذين يتحدثون الآن بلغة التواضع، هم ذاتهم الذين أسّسوا خطاب الاستعلاء، وشرعنوا الإقصاء، وأداروا آلة الهيمنة لعقود دون أدنى تردد.

لم يتغيّر الجوهر… الذي تغيّر فقط هو نبرة الصوت.

سكتوا، نعم — لكن ليس اعترافًا، بل ترقّبًا وخوفًا.

إن ما يجري على الأرض لم يترك لهم خيارًا آخر. فحين تهتزّ المسلّمات التي بُني عليها مشروع الهيمنة، وحين تسقط أوهام التفوق، يصبح “اللين” ضرورة، لا فضيلة. وهذا ما نراه اليوم: خطابٌ مهذّب يخفي خلفه ذات البنية القديمة، ينتظر اللحظة المناسبة للعودة.

كيف نصدق تحولًا لم يسبقه اعتراف؟

كيف نثق بمصالحة لا تعترف بالضحايا؟

وكيف نقبل لغةً جديدة، بينما الأدوات القديمة — من المال المنهوب إلى شبكات النفوذ — لا تزال قائمة؟

الحقيقة التي يجب ألا تُطمس هي أن ما سُمّي بـ”دولة 56” لم يكن يومًا مشروع دولة عادلة، بل كان — في جوهره — نظام توزيع غير متكافئ للسلطة والثروة.

أقاليم بأكملها — ككردفان ودارفور — لم تكن شريكًا، بل مصدرًا يُستنزف، تُنهب موارده، ثم يُطلب منه الصمت باسم الوطنية.

وحين تغيّرت المعادلة، وبدأت الأرض تتكلم بلغة أخرى، لم يجد أولئك خيارًا سوى الانحناء — لا قناعةً، بل خوفًا من السقوط الكامل.

لكن السؤال الجوهري يبقى:

هل يكفي هذا “الانحناء” لطي صفحة الدم؟

الإجابة واضحة: لا.

فالدماء التي أُريقت ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه بخطابٍ ناعم،

والأرواح التي أُزهقت لا تُقايض بلغةٍ جديدة، مهما بدت منمّقة.

إن أي حديث عن مصالحة لا يقوم على:

محاسبة حقيقية،

تفكيك كامل لبنية النهب والهيمنة،

واعتراف صريح بالجريمة،

هو حديثٌ معلق في الهواء… أو تمهيدٌ لإعادة إنتاج الأزمة ذاتها.

نعم، قد يطول الصراع،

لكن ما بعد هذه اللحظة لن يكون كما قبلها.

فالشعوب التي دفعت هذا الثمن الباهظ، لم تعد تقبل العودة إلى نقطة الصفر، ولن تمنح ثقتها مجددًا لمن لم يثبت — بالفعل لا بالقول — أنه غادر مشروعه القديم بلا رجعة.

الخلاصة:

لسنا أمام “بلاغة تسامٍ”،

بل أمام تكتيك بقاء.

والأوطان لا تُبنى بالتكتيك…

بل بالحقيقة، والعدالة، والقطع الجذري مع أسباب الكارثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!