رأي

الفاشر❗️من رماد البرهان إلى نبض الحياة

فاطمة لقاوة

 

فاطمة لقاوة

لم تعد الفاشر مجرد مدينة منكوبة في جغرافيا حرب ١٥أبريل العبثية، بل تحولت إلى مرآة صادمة تكشف وجهين متناقضين للصراع في السودان: وجه التدمير الممنهج الذي قاده جيش البرهان و كتائب ظل كيزانهم المناعيل، ووجه آخر يحاول – رغم قسوة الظروف – أن يعيد للحياة معناها عبر جهود الدعم السريع وحكومة السلام.

ما رأيناه في الفاشر لا يمكن إختزاله في “أضرار جانبية” لحرب، بل هو أقرب إلى مشروع إقتلاع كامل، أحياء سُويت بالأرض، مرافق خدمية خرجت عن الخدمة، ومدارس تحولت إلى أطلال.

هذا ليس سلوك جيش يحارب خصماً عسكرياً، بل نهج سلطة رأت في المدينة – وفي الهامش عموماً – ساحة مستباحة لتصفية حساباتها السياسية وطبقت شعارها”أو ترق كل الدناء”.

جيش البرهان، الذي يدّعي حماية الدولة، لم يفعل سوى تعرية هذه الدولة من معناها، عندما وجّه نيرانه نحو المواطن قبل أي شيء آخر،فقتلهم و ذبحهم و أخرج احشاءهم من بطونهم و رمى فوقهم البراميل الحارقة بطيران الأنتنوف و المسيرات.

المفارقة التي تفرض نفسها بقوة، أن ذات الأرض التي طالتها يد التدمير، بدأت تشهد ملامح إعادة تشكّل مختلفة تماما ،تؤكد أن النهضة قادمة لا محال.

هنا، يدخل مشهد آخر: جهود قيادات الدعم السريع وحكومة السلام، التي تحاول – بإمكانات محدودة – أن ترسم ملامح بداية جديدة،مما يؤكد بأن الإنتقال من منطق القصف إلى منطق الإعمار قد بدأ فعليا،محاولاً تضميد الجراح.

في معسكرات النزوح، حيث تتكدس المأساة، لم يكن الحضور مجرد زيارات رمزية، بل محاولة للاقتراب من تفاصيل الألم اليومي”توفير الغذاء، دعم الخدمات الأساسية، إعادة فتح المدارس، وتهيئة قرى العودة الطوعية”كلها خطوات، قد تبدو صغيرة في ميزان السياسة، لكنها كبيرة في وجدان إنسان فقد كل شيء.

هناك، لا تُقاس الشرعية بالشعارات، بل بالفعل المباشر: من يخفف معاناتك هو من يملك حق الحديث باسمك،لذلك رأينا الغلابة في قُرى الفاشر يهتفون تلقائيا:(يعيش ابوشوك، يعيش مسبل ،يعيش الفريق عبدالرحيم).

ما تقوم به حكومة السلام، ميدانياً، يعكس تحولاً مهماً في فلسفة الحكم: من سلطة بعيدة تدير الحرب من المكاتب، إلى سلطة تنزل إلى الأرض، ترى، تسمع، وتحاول أن تفعل.

وجود قياداتها وسط الناس، ليس مجرد رسالة سياسية، بل إعادة تعريف للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، بعد عقود من القطيعة والتهميش،عاشها شعب الأقاليم،غير أن هذا المشهد لا ينبغي قراءته بسذاجة أو تبسيط،

فالسودان اليوم ليس أمام صراع عسكري فقط، بل أمام معركة سرديات: من الذي يمثل الأمل؟ ومن الذي يجسد الخراب؟ الفاشر تقدم إجابة عملية: الطرف الذي خلّف هذا الحجم-(برهان و عصابته في بورتسودان)- من الدمار لا يمكن أن يكون هو نفسه من يقود مشروع الدولة، والطرف الذي يمد يده لإعادة الحياة – مهما كانت الملاحظات عليه – يفرض نفسه كفاعل لا يمكن تجاهله في معادلة المستقبل،وهنا، تتجاوز الفاشر حدودها الجغرافية لتصبح رمزاً لسودان يُعاد تشكيله من الهامش، لا من المركز؛ من معاناة الناس، لا من حسابات النخب.

فعندما تنهض مدينة من تحت الركام بإرادة أهلها، وبمساندة من أختار أن يكون بينهم، فإنها لا تعيد بناء نفسها فقط، بل تعيد تعريف الوطن كله.

الفاشر اليوم تقول بوضوح: يمكن للرصاص أن يهدم الجدران، لكنه يعجز عن قتل الإرادة، وبينما يواصل البعض صناعة الموت، يختار آخرون – بصمت – أن يصنعوا الحياة وفي هذا الإختيار وحده، يتحدد مستقبل السودان.

ولنا عودة بإذن الله

الثلاثاء ٣١مارس/٢٠٢٦م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!