رأي

سياسة التمييز السالب و كيف تُدار الدولة ضد الحقيقة

منال علي محمود

 

منال علي محمود

manal002002@gmail.com

في دولةٍ تتآكل أطرافها بالحرب، وتتشقق من الداخل بخطابات الكراهية، لم تجد السلطة ما يستحق التدخل سوى… الكاميرا.

قرار إيقاف قناة لأنها نقلت مسيرة ترفض وجود مواطنين من دارفور في الشمالية ونهر النيل، ليس تفصيلاً إدارياً عابراً ولا مجرد تقدير خاطئ، بل تعبير مكثف عن طريقة حكم كاملة تُعرّف المشكلة لا بما يحدث في الواقع، بل بما يظهر منه.

المشهد الذي نُقل كان واضحاً ومباشراً: خطاب إقصائي صريح، يُنكر حق مواطنين في الوجود داخل وطنهم. ومع ذلك، لم تتحرك الدولة نحو مصدر الخطر، بل نحو من كشفه. لم تُفتح بلاغات، ولم تُعلن مساءلات، ولم تُسمع إدانة واضحة. كل ما حدث هو إعادة تعريف الواقعة: من جريمة تستحق المواجهة إلى “مخالفة نشر”.

هكذا، وبهدوء بيروقراطي بارد، جرى قلب المعادلة:

التحريض يُترك، والتوثيق يُعاقب.

الفعل يُتجاوز، والصورة تُحاصر.

ليست هذه مفارقة، بل سياسة.

الدولة هنا لا تواجه خطاب الكراهية، بل تواجه ظهوره. لا تُنكر العنصرية لأنها غير موجودة، بل لأنها مرئية. وكأن الخطر ليس في الحريق، بل في الدخان الذي يفضحه.

ما يكشفه هذا المشهد لا يقتصر على خطاب الكراهية ذاته، بل يمتد إلى مستوى أخطر يتعلق بثقة الفاعلين في قدرتهم على التعبير عنه علناً وتنظيمه دون خشية من مساءلة. طباعة بوسترات تحمل مضموناً إقصائياً، والدعوة إلى مسيرة معلنة، والحشد لها في وضح النهار، كلها مؤشرات على يقين راسخ بأن الفعل لن يواجه ردعاً، وأن المسار سيُترك ليمضي من بدايته حتى نهايته دون تدخل يُذكر. هذه الثقة لا تنشأ من فراغ، بل من بيئة تُراكم سوابق من التغاضي، وتُرسل إشارات غير مباشرة بأن حدود المحاسبة قابلة للتجاوز، وأن القانون يُفعل انتقائياً بحسب السياق.

تصدير الواقع: عندما تُستبدل الحقيقة برواية جاهزة

في هذا السياق، لا يبدو التضييق على الحقيقة مجرد ردود أفعال متفرقة، بل يرقى إلى منهجية متكاملة تقوم على تصنيع الأخبار وتوجيهها بما يخدم خطابًا رسميًا يُعيد تشكيل الواقع بدلًا من نقله. فالتعتيم لا يتم فقط عبر الصمت، بل عبر إغراق الفضاء العام بسرديات مصنوعة تُزيح ما هو جوهري وتستبدله بما هو مُدار بعناية.

وتتجلى هذه المنهجية بوضوح في التعامل مع كل من يخرج عن هذا الإطار، كما حدث مع الإعلامية لينا يعقوب، عندما قامت بالإشارة إلى مقر إقامة المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية عمر البشير، وهو ما قوبل بإيقافها وإيقاف القناة. لم يُنظر إلى ما قامت به بوصفه نقلاً لمعلومة ذات صلة بالشأن العام، بل تم التعامل معه كخرق يستوجب العقوبة، في رسالة واضحة بأن تداول بعض الحقائق ليس مجرد ممارسة إعلامية، بل فعل قد يترتب عليه ردع مباشر.

في مثل هذه الوقائع، تتضح معالم سياسة أوسع: ليس الهدف فقط التحكم في ما يُقال، بل ترسيخ مناخ عام يقوم على التخويف من نقل الحقيقة نفسها. تصبح العقوبة وسيلة لإعادة تشكيل سلوك الإعلام، بحيث يتقدم الحذر على الدقة، ويُستبدل التوثيق بالتقدير السياسي لما يُسمح بإظهاره. ومع تكرار هذه الممارسات، يتشكل واقع إعلامي موازٍ، تُعرض فيه الأحداث بصورة منقحة، بينما تُترك الوقائع الحقيقية خارج الإطار أو في نطاق ضيق لا يصل إلى الجمهور.

بهذا المعنى، لا يعود التعتيم مجرد غياب للمعلومة، بل صناعة ممنهجة لبدائلها، تُستخدم فيها أدوات الإعلام ذاتها لإعادة إنتاج واقع لا يعكس الحقيقة كاملة، بل يعكس حدود ما تسمح به السلطة أن يُرى.

المواطنة ليست امتيازاً جغرافياً

حقوق المواطنة لا تُقاس بخط العرض، ولا تُمنح بحسب جهة الميلاد. المواطن من دارفور والمواطن من الشمالية يقفان، في أي دولة تُحترم، على أرضية قانونية واحدة لا تقبل التدرّج ولا التمييز. فالدساتير لا ترسم خرائط للحقوق، بل تُقر مبدأً حاسماً: حرية التنقل والإقامة مكفولة لكل مواطن داخل حدود الدولة دون قيد أو تمييز، بوصفها حقاً أصيلاً لا يُشترط له قبول اجتماعي ولا يُنتزع بضغط جهوي.

ضمن هذا الإطار، تتحول المسيرة التي ترفض وجود مواطنين من إقليم بعينه إلى واقعة قانونية واضحة: تحريض علني على التمييز، وتهديد مباشر للسلم الاجتماعي، وانتهاك صريح لمبدأ المساواة أمام القانون. في دولة تحترم نفسها، لا يُترك هذا الفعل بلا رد، بل تُفعَّل فوراً أدوات العدالة: فتح بلاغات وفق نصوص تجريم خطاب الكراهية، تحديد المنظمين والمحرّضين، تقديمهم للمساءلة القضائية، إصدار موقف رسمي لا لبس فيه يجرّم التمييز، واتخاذ تدابير حماية للفئة المستهدفة لضمان حقها في الحركة والإقامة دون ترهيب.

ضمن هذا الإطار، لا تتعامل الدول التي تُدار وفق القانون مع مثل هذه الوقائع بردود فعل انتقائية، بل وفق مسار مؤسسي واضح. فعند ظهور دعوات علنية تتضمن تحريضاً على التمييز، تبدأ الإجراءات من لحظة الرصد: فتح تحقيقات فورية، تحديد هوية القائمين على الفعل، توثيق الأدلة المرتبطة بالتحريض، ثم تحريك البلاغات وفق النصوص القانونية التي تجرّم خطاب الكراهية والتمييز.

وفي موازاة ذلك، يصدر موقف رسمي صريح لا يحتمل التأويل، يرفض هذا النوع من الخطاب ويؤكد على مبدأ المساواة الكاملة بين المواطنين دون تمييز. كما تُتخذ تدابير عملية لحماية الفئة المستهدفة، بما يضمن حقها في التنقل والإقامة دون تهديد أو ترهيب، مع متابعة التنفيذ قضائياً حتى الوصول إلى مساءلة عادلة وشفافة للمسؤولين عن التحريض أو التنظيم.

ما حدث يسير في الاتجاه المعاكس تماماً: بدلاً من تثبيت هذا الحق، جرى الالتفاف عليه؛ وبدلاً من حماية أصحابه، تُركوا في مواجهة خطاب يستهدف وجودهم ذاته. هنا يظهر خلل الميزان بوضوح: حق دستوري أساسي في كفة، واعتبارات سياسية ضيقة في الكفة الأخرى، لترجح الأخيرة بلا سند قانوني ولا أخلاقي. وعند هذه النقطة، لا يعود التمييز سلوكاً معزولاً، بل نتيجة مباشرة لطريقة حكم خفّضت سقف المواطنة… ورفعت سقف الصمت.

في الدول التي تُدار بالقانون، لا يُختزل التهديد في ما يُنشر، بل في ما يُرتكب. تُفتح التحقيقات، تُحدد المسؤوليات، وتُفعّل النصوص التي تجرّم التحريض والتمييز. الإعلام لا يُعاقب لأنه نقل، بل يُستند إليه لأنه كشف.

أما هنا، فالمعيار مختلف: ليس حجم الضرر هو ما يحدد الاستجابة، بل حجم الإحراج الذي يسببه. لذلك يصبح الحل الأسرع هو إسكات الناقل، لا محاسبة الفاعل. إجراء نظيف شكلياً، منخفض التكلفة سياسياً، وعالي الكلفة على الحقيقة.

وفي زمن حرب، حيث يُفترض أن تكون الدولة أكثر حرصاً على حماية النسيج الاجتماعي، يتحول هذا النهج إلى خطر مضاعف. لأن ترك الكراهية دون ردع لا يوقفها، بل يمنحها مساحة أوسع. ومعاقبة من يوثقها لا يخفيها، بل يطلقها بلا سقف.

والنتيجة ليست استقراراً، بل صورته.

ليست سيطرة، بل إدارتها.

ليست دولة تُعالج أزماتها، بل سلطة تُخفي أعراضها.

بهذا المعنى، لا يكون القرار مجرد إيقاف قناة، بل إعلاناً صريحاً عن أولويات الحكم:

ما يهدد المجتمع يمكن احتماله،

أما ما يكشف ذلك التهديد… فلا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!