رأي

من يحمل مشروع الحلم بعد أسامة ؟؟؟؟

دكتور خالد تارس 

 

دكتور خالد تارس 

رحيل الابن والصديق أسامة حسن كان فاجعة اللحظة والأيام، وكان خبراً أشبه بانكسار المسيرة وانحناء في توازن الأشياء، الابن أسامة حتى قبل موته بساعات كان من رجل المستقبل القوي، وقطعة أساسية في لوحة سقطت، تاركة فراغاً لا تملؤه الكلمات ولا تُسكِنه المواساة. في موته، لم نفقد ذاك الصديق الوفي والابن البار، انما فقدنا قدرات كانت تتشكّل ومشروعاً كان ينمو، ورجلًا يُعدّ نفسه بوعي وصلابة ليكون من صُنّاع (الغد).!

كان الإبن أسامة، حتى لحظاته الأخيرة، مثالًا حياً لجيل لا يرضى بأن يرث (الخراب)، فقد كان من الشباب الذين يسعون إلى تفكيك الخراب وإعادة تركيبه على أسس عادله وإنسانية. كان حضوره في الحياة العامة (فاعلًا) ومشحوناً بالإرادة، ومشحذًا بالمسؤولية، حيث يرى في السياسة أداة لرفع الظلم والتهميش، وإعادة توزيع الكرامة بين الناس، ووسيلة ناجعة لإنصاف من أرهقتهم (قضايا) العدالة والمساواة.!

وفي بهذا الموقف كان الراحل يعمل كالنحلة، منهمكًا في بناء مشروع الحلم الذي لا يُرى للوهلة الأولى. كان منشغلاً بتفكيك النماذج السياسية التي كرّست الخلل، وتعريف الفعل السياسي بوصفه التزامًا أخلاقياً قبل أن يكون مطامع سلطوية. الفقيد أدرك مبكرًا أن معركة التغيير التي نخوضها اليوم هي مع أنماط التفكير، والتراكمات الطويلة من الإحباط والفشل والتشوهات وليس فقط مع الأنظمة، لهذا كله اندفع هذا الشاب إلى العمل العام بطاقة (مضاعفة).. كأنه يدرك أن الوقت لا يتّسع لانجاز كل ما يريد أن ينجزه.

ان ما يميّز الراحل أسامة حقًا، ليس وعيه السياسي وانما قدرته على تجسيد هذا الوعي في علاقته بالناس والحياة. فهو ليس من أولئك الذين يتحدثون عن الواقع من الأبراج العاليه، لأنه يعيش بين الناس، ويمشي في الأسواق ويأكل معهم الطعام، شاهدته في الفاشر والجنينة وزالنجي يجالس الأطفال والنساء والقيادات الأهلية، نعم فقد كان مدرسة حقيقية لفهم الوطن. ربما هناك، في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية كان الابن أسامة يعيد صياغة أفكاره، ويختبر قناعاته، ويستمد (شرعية) المشروع الذي يحي عليه ويموت.!

كان الراحل إلى جانب إنسانيته يتميز بالمواجهة والصرامة الأخلاقية. كان صدامي، لا يساوم عندما يتعلق الأمر بالحق، ولا يلين أمام الباطل، كأن النضال يجري في دمه، وكانت الثورة تشتعل منه، كان يتقدم صفوف المقاومة بوصفها مشروعاً لبناء وطن قائم على العدالة. هذا المزيج بين الوعي، والالتزام والجرأة جعل من الراحل نواةً لمشروع استراتيجي، حيث تولد التجربة جيلاً جديداً يعيد تعريف السياسة وأخلاقها. ولهذا كان رحيله أشد ألماً لكونه أتى في ذروة (التجربة)، وفي لحظة كان فيها العطاء يتصاعد، والرؤية تتضح، والأثر في يتسع.!

رحل الإبن أسامة، وترك خلفه فراغًا لا يُقاس بعدد الأيام والليالي، ولم يقاس بوزن الدور الذي كان يؤديه، وحجم الأمل الذي كان معقودًا.

سيعرف البعض ولو بعد حين ان في غياب الإبن أسامة يفقد التوازن داخل المشهد، ويفقد أحد الأعمدة التي كانت تبني مشروعاً وطنيًا يبحث عن من يحمله بصدق.!

إن المسيرة السياسية التي كانت بحاجة إلى أمثال الراحل أسامة حسن، تبدو اليوم أكثر هشاشة، كأنها فقدت أحد إيقاعاتها الأساسية. ومع ذلك، فإن الفقد الكبير لا يُلغي أثراِ، وان غاب أسامة جسدًا فقد ترك وراءه ما هو أبقى، وترك نموذجًا لقيادي شاب لم يتصالح مع الخطأ، ولم يرضَ بأن يكون شاهداً على الظلم. ترك فكرة ان السياسة يمكن أن تكون نظيفة، وإن الالتزام الأخلاقي ضرورة، هذه الفكرة، إذا ما وجدت من يحملها، يمكن أن تكون امتدادًا حقيقيًا لروحه (النبيلة).

كيف يكون العزاء ممكناً وسط هذا الحزن المتثاقل، وكيف ندرك أن أسامة كان بداية لمسار طويل من النضال لا ينبغي أن يتوقف، وان المشاريع التي تبنى بالتضحيات لا تموت، فهي تُختبر إما أن تتلاشى، أو أن تتحول إلى مسؤولية جماعية. سلامٌ على روح أسامة وسلامٌ على ذلك الحلم الذي رحل قبل أوانه، وعلى ذلك الضوء الذي انفجر على الأرض ولن ينطفي، ولا يزال يضيء في ذاكرة الذين تعرفو على الفقيد، وفي ضمائر الذين سيواصلون الطريق من بعده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!