رأي

نيالا ومئة يوم الحسم الاقتصادي: خارطة طريق لبناء اقتصاد حدودي نزيه وجاذب للاستثمار

محمد حسين

 

 محمد حسين 

تمتلك مدينة نيالا، بوصفها العاصمة الإدارية في جنوب دارفور، فرصة تاريخية لصياغة نموذج اقتصادي متفرد، يستند إلى عبقرية الموقع الجغرافي وتعدد الموارد الطبيعية والبشرية. إن بناء دولة المؤسسات لا يبدأ بالشعارات، بل يرتكز على إرادة سياسية منضبطة، وسياسات مالية وجمركية ذكية، تعيد ربط السودان بعمقه الأفريقي بعيدًا عن إرث المركزية التقليدية التي عطّلت إمكاناته لعقود.

في هذا السياق، تمثل الأيام المائة الأولى من عمر أي مشروع حكومي نافذة حاسمة لبناء الثقة، ووضع الأسس الصلبة لجذب الاستثمار، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى حزمة من الإجراءات العاجلة التي تعكس جدية التوجه نحو اقتصاد منفتح ومنظم.

أولى هذه الخطوات تتمثل في إصدار قانون الامتياز التجاري الحدودي، بما يوفر حوافز حقيقية للمستثمرين والتجار عبر منح إعفاءات ضريبية وحصانات قانونية لكل من يستخدم المعابر الرسمية مثل أدري، الرقيبات، والمثلث، الأمر الذي يسهم في تحفيز النشاط التجاري المنظم والحد من التهريب.

كما يكتسب تأسيس غرفة اقتصادية موحدة أهمية قصوى، تجمع تحت مظلتها الجمارك، وهيئة المواصفات والمقاييس، وديوان الضرائب، ضمن نظام تقني متكامل، يهدف إلى توحيد قنوات التحصيل، وتقليص البيروقراطية، ومكافحة الفساد الإداري الذي ظل عائقًا رئيسيًا أمام تطور الاقتصاد.

ومن الضروري كذلك تفعيل شرطة التأمين الاقتصادي كقوة احترافية مختصة بحماية الطرق التجارية، وتأمين حركة القوافل بين المعابر والأسواق الداخلية، بما يضمن بيئة آمنة ومستقرة للنشاط الاقتصادي.

إن المعابر الحدودية يجب ألا تظل مجرد نقاط عبور، بل ينبغي تحويلها إلى مناطق حرة نابضة بالحياة الاقتصادية، خاصة مع تفعيل نظام الترانزيت الدولي، الذي يسمح بانسياب البضائع من ليبيا وتشاد إلى جنوب السودان وأفريقيا الوسطى عبر الأراضي السودانية، مقابل رسوم عبور بالعملة الصعبة، تدعم الخزينة العامة وتعزز مكانة البلاد كممر تجاري إقليمي.

وفي إطار تعظيم القيمة المضافة، تبرز أهمية إنشاء بورصات ومراكز تجميع للصادرات عند المعابر، حيث تخضع المنتجات الزراعية والحيوانية للفحص ومنح شهادات جودة دولية، ما يسهم في رفع تنافسية المنتج المحلي وتحويله إلى علامة تجارية مطلوبة في الأسواق العالمية.

كما أن تحقيق التوازن بين الدولة والقطاع الخاص يمثل حجر الزاوية في أي نهضة اقتصادية، عبر بناء شراكة قائمة على مبدأ “الربح مقابل الخدمة”، حيث يلتزم القطاع الخاص بالشفافية والتسجيل الرسمي، فيما تتعهد الحكومة بتوفير البنية التحتية والخدمات الأساسية وتبسيط الإجراءات.

وفي سياق مكافحة الفساد، تبرز الحاجة إلى إنشاء منصة مركزية لشكاوى الاستثمار تتبع مباشرة لرئاسة الحكومة، تتيح الإبلاغ عن أي تجاوزات أو ممارسات ابتزازية، بما يرسخ بيئة عمل شفافة وجاذبة.

ولا يقل أهمية عن ذلك، توظيف الميزة التنافسية لكل منطقة عبر توزيع الأنشطة الاقتصادية وفقًا لخصائصها، مع التركيز على إنشاء صناعات تحويلية في المناطق الزراعية والحيوانية، مثل المسالخ الحديثة ومعاصر الزيوت، لضمان تحقيق قيمة مضافة قبل التصدير.

كما أن توحيد المواعين الإيرادية عبر نظام مالي إلكتروني شامل، يضمن تحصيل الرسوم بشفافية وكفاءة، مع توريد كافة العائدات إلى حساب مركزي تحت إشراف وزارة المالية، وتخصيص نسب واضحة لتنمية المحليات، يمثل خطوة جوهرية نحو تحقيق العدالة الاقتصادية والتنمية المستدامة.

إن حكومة الوحدة والسلام تمتلك بالفعل مفاتيح التغيير الاقتصادي في الإقليم، إذا ما أحسنت استثمار هذه الأدوات، عبر تفعيل المعابر وربطها بمنظومة مالية وجمركية عادلة ونزيهة، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء اقتصاد وطني قوي يستجيب لطموحات المواطنين.

إنها لحظة تأسيسية فارقة، تتطلب إرادة صلبة ورؤية واضحة، لوضع السودان على مسار جديد من النمو والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!