
خضر كوة
بينما تتوالى أخبار المجازر والقصف على كتم، والزرقة، وكودا، والكرمك، والسنوط، والضعين، والطينة، وجلِد، وغيرها من مناطق السودان الغربي والجنوبي، يعيش الناس في هذه المدن على وقع الموت اليومي وكأن دمهم أصبح أقل قيمة في نظر من يدّعون حماية الوطن.
في كل أسبوع نُفجع بصور المدارس المهدّمة، والمستشفيات المحروقة، والأسواق التي تحوّلت إلى رماد، وأعراسٍ تحوّلت إلى مآتم جماعية. وفي المقابل، تبقى مراكز الحواضن الإسلامية في الشمال والشرق، التي تمثل قواعد التمويل والتحريض، بعيدة من أي استهداف أو حتى تهديد.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على حكومة تأسيس: لماذا لا يتم التعامل مع هذه الحواضن بالصرامة نفسها التي يواجَه بها الأبرياء في الأطراف؟
هل أرواح أهل دارفور، والنيل الأزرق، وجبال النوبة أقل شأنًا من غيرهم؟
أم أن ميزان العدالة في الحرب مختلّ بحيث يُوجَّه السلاح فقط إلى المظلومين دون المجرمين الحقيقيين؟
إن دماء الأبرياء في كتم، والزرقة، والكرمك، والضعين، والسنوط، والطينة، وجلِد ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، بل وصمة عار على جبين كل مسؤول يدّعي الدفاع عن السودان. فحين تتحوّل الحرب إلى قصفٍ يومي على الأسواق والمدارس وبيوت العزاء، بينما يتم التغاضي عن الجذور التي تنتج هذا الإرهاب، فإن القضية لم تعد دفاعًا بل تواطؤًا بالصمت.
وليعلم الجميع أن “السن بالسن، والعين بالعين، والبادي أظلم”.
فلا عدالة تُبنى على الصبر الضعيف، ولا سلمٌ يقوم على خوف المظلوم. إن التهاون في الرد على المعتدي لا يولد سلامًا، بل يُغري المعتدي بمزيدٍ من القتل. ويوم يشعر أهل الشمال بما يعيشه أبناء كتم والزرقة والسنوط وجلِد من قصفٍ ورعب، سيدرك الجميع أن الحرب لا تعرف الجهات، وأن الدم السوداني واحد، لا يُقسّم.
إن حكومة تأسيس أمام خيارٍ مصيري لا يقبل التأجيل:
إما أن تُثبت بالفعل، لا بالشعارات، أنها حكومة عدلٍ وشعب، تتحمّل مسؤوليتها في حماية جميع المواطنين بلا تمييز؛
أو أن تستمر في نهج التجاهل الذي لن يجلب لها سوى فقدان الدعم الشعبي، خاصة من تلك المناطق التي دفعت أثمان الحرب وحدها ولم تجد من يحميها أو يدافع عنها.
لقد آن الأوان لموقفٍ شجاعٍ يواجه أصل النيران، لا دخانها فقط. فالصمت لم يعد حيادًا، بل مشاركة في الجريمة، ومن لم ينصف المظلوم اليوم قد لا يجد من ينصفه غدًا.
وعليه، فإن الواجب الوطني الآن يفرض على حكومة تأسيس تحرّكًا عاجلًا، واضحًا ومباشرًا نحو حماية المدنيين في تلك المناطق، عبر نشر فرق مراقبة مستقلة، وضمان محاسبة من يخطط أو ينفذ الاعتداءات المتكررة. إن حماية أرواح الأبرياء ليست خيارًا سياسيًا، بل واجب أخلاقي لا يقبل التأجيل أو التبرير..
خضركوة




