رأي

دولة الشعب على أنقاض أوهام النخب

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

منذ فجر الاستقلال، ظلت النخب السودانية تمارس دورها في إدارة البلاد بعقلية مأزومة، وعجز مفاهيمي وأخلاقي جعلها تنظر إلى السودان باعتباره غنيمة لا مشروعاً وطنياً جامعاً. هذه النخب التي أدمنت الفشل، لم تُنتج سوى واقع متصدع، وبدلاً من أن تؤسس لدولة قومية تعبّر عن التنوّع والاختلاف وتحتضن الشعوب السودانية المتعددة، أدخلت البلاد في حجر ضب خرب، لا حياة فيه ولا نمو، سوى إعادة تدوير الأزمات وإنتاج الكوارث.

الحقيقة المُرّة أنّ فكرة “الشعب” لم تكن يوماً في صدارة اهتمامات هذه النخب، بل ارتبطت مصالحها عضوياً بالمستعمر الذي صاغ الدولة النخبوية على مقاسه، وتركها أداة لإعادة إنتاج التبعية. حتى مشروع الاستقلال، الذي يفترض أن يكون مشروع تحرر شعبي جامع، جاء مشوهاً؛ فهو لم يعبّر عن طموحات الشعوب السودانية بقدر ما كان مشروعاً نخبوياً محدود الأفق، يستند إلى الامتيازات الموروثة من الاستعمار.

هكذا استمرأ قادة النخب لعبة احتكار السلطة والثروة، وأداروا ظهرهم لقضايا التعدد الثقافي والعرقي، ولحقيقة أنّ السودان ليس كياناً متجانساً بل فسيفساء بشرية وحضارية. فغابت الهوية الوطنية الجامعة، وغابت معها مقومات الدولة الحديثة: دستور متوافق عليه، مؤسسات قومية عادلة، وعدالة اجتماعية تجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات. النتيجة كانت دولة ضعيفة، مشوهة، عاجزة عن إدارة تنوعها، وفاشلة في تقديم الحد الأدنى من الخدمات أو حفظ السلم الاجتماعي.

إنّ مأساة السودان تكمن في أنّ نُخبه السياسية ظلت، على مدى سبعة عقود، أسيرة عقلية الانقسام والوصاية، لا عقلية التوافق والبناء. انشغلت بتثبيت سلطتها عبر أجهزة القمع والعنف، وبتكريس الامتيازات لمجموعات محدودة، بينما أُهملت الأغلبية الساحقة من سكان الأطراف الذين يمثلون عصب هذا الوطن وعمقه الحقيقي. وبذلك، لم يكن غريباً أن تظل النزاعات والحروب والاحتجاجات ظاهرة متكررة، وأن تتكرس حالة عدم الاستقرار المزمن.

إنّ بناء دولة المواطنة في السودان لن يتحقق ما لم نتجاوز هذه الحلقة المفرغة التي صنعتها النخب العاجزة. فالتجارب الإنسانية تثبت أنّ الدول لا تُبنى بالشعارات ولا بالولاءات الضيقة، وإنما ببناء مؤسسات قومية راسخة، وإدارة عادلة للتنوع، وعقد اجتماعي جديد يضع المواطن – لا النخب – في قلب العملية السياسية.

السودان يملك من الموارد والثروات ما يؤهله لأن يكون دولة مزدهرة، ويملك من التنوع ما يجعله قوة حضارية إذا ما أُدير بوعي. لكن استمرار النخب في إنتاج ذات الفشل سيجعل المستقبل امتداداً لحاضر مأزوم وماضٍ مثقل بالخيبات. آن الأوان لمغادرة حجر الضب الخرب، والانطلاق نحو مشروع وطني جديد يعبر بصدق عن الشعوب السودانية ويصالح بين مكوناتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!