سودان جديد نفسياً : سلسلة: تفكيك مصفوفة الوهم (7) الحرب النفسية – هندسة الهزيمة: «الجماليات الاستعمارية».. حين ينظر المقهور لنفسه بعين جلاده!
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
مقدمة: المعركة على “المرآة”
في كل المعارك التي خاضتها “دولة 56” ضد السودانيين، كانت هناك معركة خفية وشرسة لا تدور رحاها في ميادين القتال، بل تدور أمام “المرآة” في كل بيت سوداني.
عندما يريد المستعمر (أجنبياً كان أو نخبة محلية) أن يحكم سيطرته الأبدية على شعب ما، فإنه لا يكتفي بسرقة أرضه وتاريخه، بل يسرق “المرآة” التي ينظر بها هذا الشعب إلى نفسه، ثم يضع مكانها مرآة “مشوهة” تعكس له صورة قبيحة وناقصة.
هذه هي «الجماليات الاستعمارية»؛ أن تقوم النخبة الحاكمة باحتكار تعريف “الجمال”، “التحضر”، و”الرقي”، وتفصيله حصرياً على مقاسها (سحنتها، لهجتها، زيها، وثقافتها)، لتجعل ما دونها يبدو “بشعاً، متخلفاً، وبدائياً”.
النتيجة الكارثية لهذه الهندسة الاجتماعية هي أن المقهور يبدأ في كره نفسه، وينظر إلى ملامحه وثقافته بـ “عين جلاده”!
الاستلاب النفسي: الهروب من “الذات” إلى “السيد”
كيف نجحت المنظومة في جعل الضحية تحتقر ذاتها؟
لقد تم غرس قناعة لا واعية في عقول أبناء الهامش (والسودانيين عموماً) بأن الاقتراب من معايير المركز النيلي-العربي هو “ارتقاء”، والابتعاد عنها هو “انحطاط”.
ولعل أكثر تجليات هذا الاستلاب النفسي إيلاماً ووضوحاً هو ظاهرة “كريمات تفتيح البشرة” (الفسخ).
إنها ليست مجرد “موضة تجميلية” كما يُشاع، بل هي “نزيف نفسي” ومحاولة يائسة للهروب من هوية (اللون الداكن) التي ربطتها الدولة العميقة بالدونية، والتهميش، والعمالة الرخيصة. الشابة التي تحرق بشرتها بالمواد الكيميائية لا تبحث عن الجمال المادي، بل تبحث عن “القبول الاجتماعي” في دولة عنصرية جعلت من درجة لون البشرة معياراً للتوظيف، والزواج، والمكانة. إنها محاولة مميتة للاقتراب من “لون السادة” للنجاة من جحيم التهميش.
النكتة والدراما: قذائف الاغتيال المعنوي الناعمة
لم تكتفِ المنظومة بالمعايير الصامتة، بل استخدمت الفن والإعلام كـ “راجمات صواريخ ناعمة” لدك حصون الثقة بالنفس لدى مكونات الهامش.
تأمل أرشيفنا الكوميدي والدرامي:
كيف يتم رسم شخصية ابن الغرب (الدارفوري أو الكردفاني) أو ابن الجنوب أو الشرق؟
دائماً هو “البواب العبيط”، “الخادم المطيع”، أو “الشخصية الساذجة” التي يُضحك بها الجمهور عبر السخرية من لكنتها أو طيبتها. في المقابل، “الأفندي” القادم من المركز هو (الضابط الذكي، الطبيب الناجح، ورب الأسرة الحكيم).
حتى “النكتة الاجتماعية” لم تكن بريئة؛ لقد تم توظيفها كـ “سلاح هندسة اجتماعية” (Micro-aggressions) لترسيخ هرمية المجتمع. النكتة التي تسخر من قبيلة معينة لا تهدف للإضحاك، بل تهدف إلى “تثبيت” تلك القبيلة في قاع السلم الاجتماعي، وتوجيه رسالة مبطنة لأبنائها: “أنتم مادة للسخرية، ولستم مادة للقيادة”.
جريمة “الرطانة”: عندما تصبح لغة الأمهات سُبة!
إن اللغات هي أوعية الحضارة. وفي السودان، توجد عشرات اللغات الأصيلة العريقة (النوبية، البجاوية، الفور، الزغاوة، لغات النيل الأزرق وجبال النوبة). هذه اللغات كانت لغات “سيادة وإمبراطوريات” حينما كان العالم يعيش في الكهوف.
ماذا فعلت “دولة 56″؟
لقد جردت هذه اللغات من قداستها وأطلقت عليها مصطلحاً استعلائياً مهيناً: «رطانة».
في اللغة، الرطانة هي “الكلام غير المفهوم الذي يشبه الضوضاء”. تخيل حجم الإخصاء الثقافي الذي مُورس على الطفل عندما يتم إقناعه بأن اللغة التي تغني له بها أمه هي مجرد “ضجيج متخلف”!
لقد أُجبر المقهور على التخلي عن لسانه، وتعلم “لهجة المركز” بصرامة، ليس حباً فيها، بل خوفاً من السخرية والإقصاء الوظيفي.
الترياق: “التمرد الجمالي” واسترداد المرآة
لا يمكن إسقاط “دولة 56” بالبندقية والعمل السياسي فقط، بل يجب إسقاطها “ثقافياً وجمالياً”.
التحرر الحقيقي يبدأ عندما يكسر المقهور مرآة جلاده، ويصنع مرآته الخاصة. هذا ما نسميه «التمرد الجمالي»:
التصالح مع الخلقة والهوية: اللون الداكن ليس تهمة نتهرب منها بالكريمات، والشعر الإفريقي ليس عيباً نخفيه. إنها أختام الأصالة والانتماء لهذه الأرض القوية.
استعادة اللغات الأصيلة: يجب إعدام مصطلح “رطانة” من قاموسنا اليومي. لغاتنا المحلية هي لغات وطنية سيادية، يجب أن نتحدث بها بفخر، ونورثها لأبنائنا، ونطالب بإدراجها في مناهج السودان الجديد.
رفض “الكوميديا العنصرية”: يجب أن نُجرّم السخرية من اللكنات والقبائل. النكتة التي تحط من قدر مكون سوداني يجب أن تُقابل بالغضب والرفض، لا بالضحك. لا مجاملة في قضايا الكرامة.
إن الشاب الذي يرتدي زيه القومي بفخر في وسط الخرطوم، ويتحدث بلغته الأم دون خجل، هو يمارس “فعلاً ثورياً” لا يقل أهمية عن الوقوف في خطوط النار. لأنه ببساطة يقول للمنظومة: “لقد انتهى عصر استلابي.. أنا الآن أرى نفسي بعيني أنا، وليس بعينكم”.
في المقال القادم، سننتقل إلى جرح أعمق ومضاعف: «المرأة والجرح المزدوج».. كيف تُطحن المرأة في الهامش تحت مقصلتين: تهميش الدولة من جهة، والذكورية الأبوية من جهة أخرى!




