رأي

عاد الأمل من الفضاء… فلماذا لا يعود السودان إلى الإنسانية؟

عبدالله محمد ادم ،، كمبالا 

 

عبدالله محمد ادم ،، كمبالا 

بينما تنزفُ الإنسانيةُ جراحَها على تخومِ الدمار، وتتلاشى أحلامُها في زحمةِ القنابلِ ولهيبِ الخطابِ المُسمَّم، إذا بأربعةِ رُوَّادَ من أبناءِ أمريكا يعودون من جولةٍ قمريةٍ استمرت تسعةَ أيامٍ، بينهم امرأةٌ ورجلٌ أسود، يحملون في عيونهم سِحرَ الفضاء، وفي قلوبهم نبضَ أملٍ مُستعاد وقد كان في اعدادهم لهذه الرحلة جيش من الخبراء و العلماء لا يهمهم لون او دين زملاءهم و اخوانهم في الوطن، عادوا ليجدوا كوكبًا يختنقُ بالحروب، وتهدِّدُهُ رياحُ الفناءِ بمحوِ حضارةٍ عمرُها آلافُ السنين، و مستشفيات و قري يدمرها ابناء وطن واحد ، دين واحد و لون واحد، لكنَّ عودتهم لم تكن مجرد خبرٍ عابر؛ بل كانت ومضةً كونيةً تخترقُ جدارَ اليأس و تهمسُ في مسمعِ البشرية بانه ما زال في العالَمِ متَّسعٌ للحلم لنا نحن في السودانِ الحبيب، حيث يتمزَّقَ النسيجُ الإنسانيُّ بأبشعِ صورِ التمزُق في رحلة أربع سنواتٍ من الصراعِ المسلحِ حولوا فيها المدن إلى خراب، دموع و دماءٍ زكيةٍ للأبرياء الي انهر و خطابَ الكراهيةِ إلى دينٍ يُتلى و يُقدَّس في المساجد .

و في هذا الواقعِ المُدمي، نتساءل: هل يمكنُ لأربعةِ روَّادَ عادوا من القمر أن يُلينوا قلوبَ المتقاتلين؟ هل يكفي أن يشهد المتقاتلون امرأةً ورجلًا أسودَ يطلَّان من كبسولةِ العودة ليتذكروا فجأةً أنهم بشر، وأن الدمَ الذي يُراقُ هو دمُ الإخوةِ والجيران؟

إنَّ عودةَ الأملِ من الفضاءِ بسفينة امريكية لم تكن معجزةً توقِفُ الحروب، لكنها يجب ان تكون تذكرةً عظيمة،بأنَّ الإنسانيةَ قادرةٌ على تجاوزِ حدودِ الأرضِ و خلافاتِها لتصلَ إلى القمر، فَلأيِّ سببٍ يعجز ابناء السودان عن عبورِ جسرٍ من سلامٍ بين ضفتي النيل؟ أليس من السخريةِ بمكانٍ أن تصنع الامم صواريخَ تُحلِّقُ في الفضاء، بينما نحن نعجزُ عن صنعِ كلمةٍ طيبةٍ تجمعُ شملَ السودانيين؟

نحن أبناءَ السودان، ننظرُ اليومَ إلى تلك الصورةِ البهيةِ للروَّادِ العائدين، و نتمسَّكُ بأملٍ رقيقٍ: أن يعودَ إلينا السودانُ من رحلة الموت كما عاد الأملُ من الفضاء و نحن لا نحتاجُ إلى سفينةِ فضائيةٍ لنغادرَ أرضَ الكراهية، بل نحتاجُ إلى قرارٍ واحدٍ نابضٍ بالوعي،عبره ننبذَ العنصريةَ كما ننبذُ الطاعون، وأن نُخرِسَ خطابَ الكراهيةِ قبل أن يُخرِسَنا إلى الأبد.

فيا أيها المتقاتلون في السودان، إن كنتم تبحثون عن نجمٍ يهديكم، فها هو الأملُ يعودُ من القمر، فلترقَّ قلوبُكم كما رقَّت قلوبُ أولئك الرواد وهم يرون الأرضَ من بعيد فضاءٍ لا يحملُ جنسيةً ولا لونًا ولا قبيلة، عودوا إلى إنسانيتكم قبل فواتِ الأوان، واجعلوا من عودةِ هؤلاء الأربعةِ بدايةً لعودةِ السودانِ إلى حضنِ السلام. عندها فقط، سنقول إنَّ الأملَ لم يعدْ من الفضاءِ وحدَه، بل عادت معه روحُ الإنسانيةِ إلى حيثُ انطفأت في ارض النيلين.

والله المستعان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!