رأي

اختطاف النقابات تحت ظلال الحرب… كيف تتحول الكارثة إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة؟

د. إخلاص قرنق

 

د. إخلاص قرنق

“لا شرعية لأي مؤسسة تُولد في غياب أصحابها، ولا ديمقراطية تُبنى على إقصاء أصحاب الحق.”

ليست الحروب مجرد مواجهات عسكرية تدمر المدن وتحصد الأرواح، بل هي أيضًا لحظات فارقة تعاد فيها صياغة موازين القوة، ويُعاد خلالها تشكيل مؤسسات الدولة والمجتمع وفق معادلات يفرضها الواقع الاستثنائي لا الإرادة الحرة للمواطنين. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الدفاع عن الشرعية الديمقراطية أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن أخطر ما يمكن أن تفعله الأزمات هو أن تتحول إلى غطاء يمنح قرارات غير مكتملة شرعية شكلية تفتقر إلى الأساس الشعبي والأخلاقي.

وفي السودان، حيث أدت الحرب إلى نزوح ولجوء ملايين المواطنين، وتعطلت مؤسسات الدولة، وتمزقت القواعد المهنية والنقابية في مختلف أنحاء البلاد، تبرز دعوات لإجراء انتخابات نقابية وكأن البلاد تعيش ظروفًا طبيعية تسمح بمنافسة حرة وتمثيل عادل. وهذه الدعوات تطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن الحديث عن انتخابات ديمقراطية بينما يغيب عن المشاركة قطاع واسع من أصحاب الحق بسبب ظروف الحرب والنزوح واللجوء؟

لقد كانت الحركة النقابية السودانية، عبر تاريخها، إحدى أهم ركائز الحياة العامة. فقد لعبت النقابات دورًا محوريًا في الدفاع عن الحقوق، وحماية الحريات، ومقاومة الاستبداد، وأسهمت في تشكيل الوعي الوطني والسياسي، ولم تكن يومًا مجرد هياكل إدارية، بل كانت مؤسسات مستقلة تعكس إرادة قواعدها المهنية.

غير أن الحرب الحالية أصابت هذه المؤسسات في صميم وجودها. فالمهندسون والأطباء والمعلمون والعمال والموظفون تفرقت بهم السبل بين مناطق النزوح واللجوء ودول الجوار، فيما توقفت مؤسسات كثيرة عن أداء وظائفها، وأصبحت القواعد النقابية نفسها مشتتة بصورة غير مسبوقة. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي حديث عن انتخابات شاملة يتجاهل حقيقة أن جزءًا كبيرًا من الجسم النقابي لا يستطيع ممارسة حقه في الاختيار أو الترشح أو حتى الوصول إلى مراكز الاقتراع.

إن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، وإنما منظومة متكاملة تقوم على حرية المشاركة، وتكافؤ الفرص، وضمان وصول جميع أصحاب الحق إلى العملية الانتخابية دون إقصاء أو تمييز أو ظروف قسرية. وعندما تنتفي هذه الشروط، تتحول الانتخابات من وسيلة لبناء الشرعية إلى وسيلة لإضفاء شرعية شكلية على واقع غير متوازن.

ومن هنا، فإن إجراء انتخابات نقابية في ظل الحرب يثير مخاوف حقيقية من أن تتحول الكارثة الوطنية إلى فرصة لإعادة تشكيل المؤسسات النقابية وفق موازين القوى التي فرضتها الحرب، لا وفق الإرادة الحرة للقواعد المهنية. وهو ما قد يفضي إلى إنتاج قيادات تفتقر إلى التفويض الحقيقي، ويضعف الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تمثل العاملين والمهنيين.

لقد عرفت الحركة النقابية السودانية تجارب مؤلمة عندما فقدت استقلالها وتحولت إلى أدوات في يد السلطة السياسية، وهو ما أدى إلى إضعاف دورها التاريخي في الدفاع عن الحقوق والمصالح المهنية. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة بناء النقابات ينبغي أن تتجنب تكرار تلك التجارب، وأن تستند إلى مشاركة واسعة وشاملة تضمن تمثيل جميع الفئات دون استثناء.

إن الحرب لا ينبغي أن تصبح وسيلة لإعادة هندسة المجال النقابي أو احتكار مؤسساته، لأن المؤسسات التي تُولد في ظروف استثنائية، بينما يغيب أصحاب الحق، تحمل منذ نشأتها أزمة شرعية يصعب تجاوزها لاحقًا. فالنقابات ليست غنائم سياسية، ولا أدوات لتكريس النفوذ، وإنما مؤسسات مستقلة تُبنى على الإرادة الحرة لمنتسبيها

كما أن حماية الحركة النقابية اليوم تمثل جزءًا من حماية المجتمع المدني السوداني بأكمله، لأن استقلال النقابات يشكل أحد أهم الضمانات لأي تحول ديمقراطي مستقبلي. وأي إخلال بهذا الاستقلال تحت ضغط الحرب ستكون له آثار تتجاوز النقابات لتطال مجمل الحياة السياسية والمدنية في البلاد.

إن المطلوب في هذه المرحلة ليس التسرع في إنتاج مؤسسات جديدة، وإنما توفير الظروف التي تكفل مشاركة الجميع، والعمل على تهيئة البيئة القانونية والأمنية والسياسية التي تسمح بإجراء انتخابات حرة عندما يصبح أغلب أصحاب الحق قادرين على ممارسة حقوقهم بصورة كاملة.

فالسودان الخارج من الحرب لن يحتاج إلى مؤسسات تستمد مشروعيتها من واقع استثنائي، بل إلى مؤسسات قوية تستند إلى تفويض حقيقي، وتحظى بثقة قواعدها، وقادرة على الدفاع عن مصالح أعضائها بعيدًا عن هيمنة السلطة أو استغلال ظروف الأزمة.

إن معركة النقابات ليست خلافًا حول موعد انتخابات أو إجراءات تنظيمية، وإنما هي معركة تتعلق بجوهر الديمقراطية نفسها، وبحق السودانيين في مؤسسات مستقلة لا تُصنع في ظل غياب أصحابها، ولا تُختطف تحت دخان البنادق، ولا تُعاد هندستها على أنقاض الحرب، بل تُبنى بإرادة حرة تعكس تطلعات العاملين والمهنيين، وتحفظ للحركة النقابية مكانتها التاريخية باعتبارها أحد أهم أعمدة الدولة المدنية والمجتمع الديمقراطي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!