
سمية النور دهب
لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحوّلت إلى نمطٍ ممنهج يستهدف الحياة ذاتها. في دارفور وكردفان، لم تعد الطائرات المسيّرة تبحث عن مواقع عسكرية، بل باتت تضرب قلب المجتمع: المستشفيات، الأسواق، مصادر المياه، وحتى المناسبات الاجتماعية. إنها حرب تُخاض ضد المدنيين بوضوح لا يقبل التأويل.
في شرق دارفور، خرج مستشفى الضعين التعليمي عن الخدمة بعد هجوم بطائرة مسيّرة، تاركًا مئات الآلاف دون رعاية طبية. لم يكن ذلك مجرد حادث عابر، بل حلقة في سلسلة متصلة من الضربات التي تستهدف البنية الأساسية للحياة. حين تُقصف المستشفيات، فإن الرسالة تتجاوز التدمير المادي إلى تحطيم ما تبقى من شعور بالأمان، وإعلان أن لا مكان محايد في هذه الحرب.
أما في شمال كردفان، فإن مستشفى الأبيض للولادة يقف على حافة الانهيار. مرفق يستقبل آلاف النساء والفتيات النازحات، يعمل بأقل من نصف طاقته، في ظل انقطاع الكهرباء ونقص الإمدادات الطبية. أربع غرف عمليات فقط تعمل من أصل سبع، فيما تتحول أبسط الاحتياجات، كالمضادات الحيوية أو الخيوط الجراحية، إلى رفاهية نادرة. هنا، لا تكون المأساة في الأرقام وحدها، بل في التفاصيل اليومية: أم تفقد طفلها لغياب سرير، وقابلة تدفع من جيبها ثمن أدوات الولادة، وطاقم طبي يعمل بلا حماية أو موارد.
هذه ليست أزمة خدمات، بل انهيار متكامل لمنظومة الحماية. استهداف الأعيان المدنية، من مرافق صحية إلى أسواق وموارد مياه، يعكس انتقال الحرب إلى مستوى جديد من الخطورة، حيث يصبح المدني هدفًا مباشرًا أو ضحية حتمية. ومع كل ضربة، تتآكل قدرة المجتمع على الصمود، وتُدفع آلاف الأسر نحو النزوح، في دائرة مغلقة من العنف والحرمان.
تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان لا تكتفي بوصف الواقع، بل تكشف عمق الفجوة بين الاحتياجات والقدرات. الحديث لم يعد عن تحسين الخدمات، بل عن الحد الأدنى للبقاء. ومع ذلك، يستمر العاملون في القطاع الصحي في أداء مهامهم، في مشهد يجمع بين البطولة واليأس، حيث تُدار الحياة بإمكانات شبه معدومة.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يبدو عارضًا أو عشوائيًا، بل يعكس نمطًا متكررًا في إدارة العمليات العسكرية، حيث يُستخدم الضغط على المدنيين كأداة غير مباشرة في الصراع. هذه الاستراتيجية، إن استمرت، لن تنتج سوى مزيد من التفكك، ليس فقط في السودان، بل في الإقليم بأكمله.
إن ما يحدث في دارفور وكردفان ليس مجرد أزمة إنسانية، بل اختبار حقيقي لمفهوم الحماية في زمن الحروب الحديثة. وإذا استمرت الأعيان المدنية في أن تكون أهدافًا مفتوحة، فإن الحديث عن القانون الدولي أو المبادئ الإنسانية يصبح بلا معنى. الحرب هنا لم تعد تدور حول السيطرة على الأرض، بل حول من يملك القدرة على البقاء فوقها.




