
نجم الدين دريسة
ليست برلين هذه المرة مجرد عاصمة أوروبية تستضيف مؤتمرًا دوليًا، بل تحوّلت إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة تُدار فيها حرب موازية لا تقل شراسة عن ميادين القتال داخل السودان. فالمؤتمر الدولي المرتقب لدعم السلام وإعادة الإعمار، لم يواجه فقط تعقيدات الأزمة السودانية، بل اصطدم بمحاولات منظمة لتقويضه قبل أن يبدأ، في مشهد يكشف أن معركة اليوم لم تعد على الأرض وحدها، بل على مستقبل الدولة نفسها.
حجم الحشد الدولي للمؤتمر يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة السودانية تجاوزت حدودها الجغرافية، وأصبحت تهديدًا مباشرًا للاستقرار الإقليمي. أكثر من عشرين دولة ومنظمة دولية وإقليمية، من الاتحاد الأوروبي إلى الاتحاد الإفريقي، تلتقي في محاولة لإعادة صياغة مسار النزاع. غير أن هذا الثقل الدولي لم يُقابل بترحيب داخلي، بل بحملة مضادة تقودها سلطة بورتسودان، تقوم على التشكيك والتصعيد، في محاولة واضحة لإعادة تعريف المؤتمر كتهديد للسيادة بدل كونه فرصة للإنقاذ.
هذا السلوك لا يمكن قراءته بمعزل عن حسابات السلطة. فنجاح المؤتمر في فرض مسار سياسي جديد يعني بالضرورة تقليص نفوذ القوى التي استفادت من استمرار الحرب، وفتح الباب أمام إعادة توزيع السلطة وفق معادلات مختلفة. لذلك، يصبح تعطيل المؤتمر هدفًا استراتيجيًا، لا لأنه غير مهم، بل لأنه قد يكون حاسمًا.
خطاب “الإقصاء” الذي تروّج له هذه القوى يبدو في ظاهره دفاعًا عن التمثيل، لكنه في جوهره أداة ضغط سياسية. فالمفارقة أن أطرافًا محسوبة على ذات السلطة حاضرة بشكل غير مباشر داخل المؤتمر، ما يجعل الحديث عن التهميش أقرب إلى مناورة تفاوضية تهدف إلى تحسين شروط المشاركة أو التأثير على مخرجات الاجتماع. إنها لعبة مزدوجة: رفض معلن، وانخراط خفي، بهدف الإمساك بكل الخيوط دون تحمّل كلفة الالتزام.
الأخطر من ذلك هو انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد يقتصر على المواقف الرسمية، بل امتد إلى محاولات التأثير على الرأي العام الدولي، عبر حملات إعلامية، وتحركات ميدانية في أوروبا، بما في ذلك تنظيم تظاهرات متزامنة مع انعقاد المؤتمر. هذه الأدوات لا تستهدف فقط التشويش، بل تسعى لإعادة تشكيل صورة المؤتمر، وإظهاره كحدث فاقد للشرعية، حتى قبل أن تُطرح نتائجه.
في قلب هذه المعركة، يبرز صراع آخر أكثر حساسية: معركة البيان الختامي. فهذه الوثيقة، التي قد تبدو شكلية، تحمل في طياتها ملامح المرحلة المقبلة. كل كلمة فيها يمكن أن تتحول إلى التزام سياسي، أو إلى أداة ضغط دولية لاحقة. لذلك، تسعى قوى الحرب إلى تفريغها من مضمونها، أو إعادة صياغتها بما يضمن استمرار هامش المناورة، ويمنع فرض أي التزامات حقيقية.
الحديث المتكرر عن “السيادة” في هذا السياق يكشف مفارقة صارخة. فالدولة التي فقدت السيطرة على أجزاء واسعة من أراضيها، وتآكلت مؤسساتها تحت ضغط الحرب، توظف هذا المفهوم كدرع سياسي في مواجهة المجتمع الدولي. إنها سيادة بلا أدوات، تُستخدم كخطاب تعبوي أكثر من كونها واقعًا فعليًا.
ما يجري اليوم يؤكد أن السلام لم يعد هدفًا مشتركًا، بل أصبح تهديدًا وجوديًا لبعض الأطراف. فوقف الحرب يعني فتح ملفات الانتهاكات، وإعادة ترتيب المشهد السياسي، وإنهاء اقتصاد الصراع الذي نشأ حولها. لذلك، تُدار معركة شرسة لإبقاء الوضع على ما هو عليه، حتى لو كان الثمن استمرار النزيف الإنساني.
برلين، في هذا السياق، ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل اختبار حقيقي لإرادة المجتمع الدولي. إما أن ينجح في فرض مسار واضح لا يقبل التعطيل، أو أن يتحول المؤتمر إلى حلقة جديدة في سلسلة المبادرات التي وُلدت ضعيفة وانتهت بلا أثر. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل السودان معلقًا، ليس على نتائج الاجتماعات، بل على القدرة على مواجهة من يرون في الحرب وسيلتهم الوحيدة للبقاء.




