الجنرال دفع الله بدوي الكناني – محور هبيلا: رسالة ضد الانكسار… الشجعان لا يساومون بل يموتون مرة واحدة وإلى الأبد
عباس احمد السخي

عباس أحمد السخي

في لحظات التحوّل الكبرى، حين تتكاثف الضغوط وتتباين المواقف، وتتمايز الصفوف على نحوٍ حاد، تُختبر معادن الرجال، ويُكشف الفارق الجوهري بين من يساومون على القضايا، ومن يحملونها حتى آخر رمق. فالشجاعة ليست اندفاعًا أعمى في ميادين القتال، ولا مجرد نزوة حماسية عابرة، بل هي موقف أخلاقي راسخ، وقرار واعٍ برفض الانكسار، مهما بلغت كلفة الثبات. ومن هذا الأفق الرحب، تبرز رسالة الجنرال دفع الله بدوي الكناني، أحد أبرز قادة الدعم السريع بمحور هبيلا في جنوب كردفان، بوصفها نموذجًا حيًا لمعنى الالتزام بالقضية، ورفض الإغراءات مهما عظمت.
لقد تداولت الأوساط رسالة صوتية مسرّبة، جاءت ردًا على دعوة من تنسيقية الحوازمة، دعت خلالها الجنرال دفع الكناني إلى التفاوض مع سلطة بورتسودان مقابل رتبة عسكرية ومكاسب مادية. غير أن الرد لم يكن رفضًا عابرًا أو موقفًا تكتيكيًا محدودًا، بل جاء أقرب إلى بيان أخلاقي مكثّف، يفيض بالعزيمة والإصرار. إذ قال بوضوح: “لن أتراجع عن قضية فقدت فيها أرتالًا من الرفاق استشهدوا أبطالًا… لم يعد لدي ما يدفعني إلى حياةٍ بشرفها، ناهيك عن حياة الذل، سوف نسير في ركاب الخالدين، فإما حياة تسر الصديق أو ممات يغيظ العِدا.” بهذا المعنى، لم يعد الصراع عند الكناني سياسيًا فحسب، بل تحوّل إلى صراع وجودي، تتداخل فيه الكرامة مع الوفاء لدماء من سقطوا.
وتأتي عبارته اللافتة: “أنا أعتبر نفسي عزاءً مؤجّلًا” لتختزل فلسفة كاملة في النظر إلى النضال؛ فهي تعبير عن حالة يتجاوز فيها الإنسان خوفه من الموت، حين يضع حياته في كفّة قضيته، فيتحرر من حسابات الربح والخسارة، ويغدو أكثر قدرة على اتخاذ قراراته دون تردّد. وهذه الفكرة، وإن بدت آنية في سياقها، فإن لها جذورًا ضاربة في التاريخ، حيث ارتبطت دائمًا بمواقف خالدة جسّدت أسمى معاني الشجاعة ورفض الاستسلام.
وفي هذا السياق، تبدو كلمات الكناني امتدادًا لسلسلة من المواقف التي سطّرها رفاقه من الجنرالات: قرن شطة، وعلي يعقوب، وفيناوي، وشيريا، والصادق ماكن وآخرين؛ وهي أسماء تحوّلت، في الذاكرة الجمعية، إلى رموز للتضحية والثبات. ولم يقف الكناني عند حدود الوفاء لرفاقه، بل استحضر كذلك ميراث الأسلاف، مؤكدًا أنه لن يخذل ذلك التاريخ المثقل بمعاني البطولة.
ولم يقتصر الكناني موقفه على الرفض، بل تجاوز ذلك إلى تفكيك الحجج التي ساقت الدعوة إلى التفاوض، خاصة تلك التي تُغلّف نفسها بمصلحة القبيلة أو دعوى الاستقرار. فقد ردّ بأن الجيش الذي يستهدف الحواضن الاجتماعية، ولا يميّز بين حملة السلاح والمدنيين الأبرياء، لا يستحق الاحترام. كما شدد على أن الاستقرار الذي يُبنى على دماء الأبرياء، واستهداف المدنيين والمستشفيات، ليس استقرارًا حقيقيًا، بل صورة من صور القهر المنظّم. وذهب أبعد من ذلك حين وصف هذه الأفعال بأنها “جريمة مكتملة الأركان”، مؤكدًا أن الانخراط في منظومة تمارس مثل هذه الانتهاكات لا يمكن أن يكون مصدر شرف بأي حال.
وفي الوقت ذاته، تكشف إشارته إلى أن باب التفاوض يظل مفتوحًا عبر قيادة الدعم السريع عن قدر من الاتساق السياسي؛ فهو يميّز بوضوح بين التفاوض من موقع الندية، بوصفه خيارًا سياسيًا مشروعًا، والتفاوض من موقع الاستسلام، باعتباره تنازلًا مرفوضًا. إنه لا يرفض السلام من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن يتحول إلى غطاء لإهدار المبادئ، أو مكافأة على الخضوع.
أما الرسالة الأعمق في موقف الكناني، فتتجلى في إعادة تعريفه لمعنى الحياة والموت في سياق الصراع؛ فالحياة، في نظره، ليست مجرد بقاء بيولوجي، بل قيمة أخلاقية مرتبطة بالكرامة. والموت ليس نهايةً محضة، بل قد يغدو امتدادًا لمعنى أكبر، حين يكون في سبيل قضية يؤمن بها الإنسان. ومن هنا تأتي عبارته التي تختزل فلسفته: “إما نصر يسر الصديق، أو ممات يغيظ العِدا.”
وفي زمن تتكاثر فيه صفقات التسويات السريعة، وتعلو فيه لغة المصالح الضيقة على حساب القيم، تكتسب مثل هذه المواقف أهمية مضاعفة؛ إذ تذكّر بأن هناك من يرفض أن يكون جزءًا من معادلة الانكسار، وأن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في قبول الأمر الواقع، بل في تحدّيه. قد يختلف الناس في تقييم القضايا والاصطفافات، غير أنهم يكادون يتفقون على أن الثبات على المبدأ، حين ينبع من قناعة راسخة، يظل من أنبل الصفات التي يمكن أن يتحلى بها الإنسان.
وهكذا، لا تُقرأ رسالة الجنرال دفع الله بدوي الكناني بوصفها حدثًا عابرًا، بل كخطاب عميق ضد الهزيمة النفسية، وضد منطق المساومة على الكرامة. إنها تذكير متجدّد بأن الشجعان لا يساومون، بل يختارون طريقهم بوعي كامل، ويمضون فيه حتى نهايته، لأنهم—ببساطة—يموتون مرة واحدة… وإلى الأبد.




