رأي

المادة 51 في حرب السودان: عندما يتحول القانون إلى أداة صراع ضد المدنيين

منال علي محمود

 

منال علي محمود 

manal002002@gmail.com

في سياق الحروب، لا تُستخدم الأسلحة فقط في ميادين القتال.

هناك أدوات أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل تأثيراً — القانون حين يُعاد توجيهه.

المادة 51، المعروفة بتهمة “شن الحرب على الدولة”، لم تعد مجرد نص قانوني يُفعل في ظروف استثنائية، بل أصبحت جزءاً من آلية أوسع تُستخدم داخل الحرب نفسها.

ليس ضد الجيوش، بل ضد المدنيين.

خطورة هذه المادة لا تكمن فقط في قسوة العقوبة، بل في طبيعة استخدامها.

هي نص فضفاض، قابل للتأويل، يسمح بتمديد معنى “الحرب” ليشمل ما ليس حرباً.

وبهذا التمدد، يمكن إدخال الرأي، والتوثيق، والنشاط المدني ضمن دائرة الاتهام.

في زمن الحرب، هذه المرونة لا تُستخدم لحماية الدولة، بل لحماية سردية معينة داخلها.

هنا، لا يكون الهدف إثبات جريمة مكتملة،

بل ضبط المجال العام.

أي صوت يحاول توثيق أو تحليل أو حتى التساؤل يمكن أن يُعاد توصيفه كتهديد.

وبذلك تتحول المادة 51 إلى أداة لإعادة هندسة الفضاء المدني، لا عبر الإقناع، بل عبر التخويف.

منذ اندلاع الحرب في السودان، تم توجيه هذه التهمة ضد مدنيين داخل وخارج البلاد، فقط بسبب التعبير عن رفضهم للحرب أو توثيقهم لوقائع فساد وانتهاكات.

هذا النمط يعكس تحولاً واضحاً: من استخدام القانون كأداة عدالة، إلى استخدامه كأداة ضبط سياسي.

النيابة التي تُفعل هذه المادة في هذا السياق، لا تعمل كجهاز محايد، بل كجزء من منظومة مُسيّسة تعكس بنية أعمق داخل الدولة — ما يُعرف بالدولة العميقة — حيث تُعاد توجيه المؤسسات العدلية لخدمة اتجاهات سياسية وأيديولوجية.

في هذا الإطار، لا تعود النيابة جهة تبحث عن الحقيقة، بل جهة تمنح الغطاء القانوني لإجراءات ذات طابع سياسي.

وتظهر الأدلجة في الانتقائية: في من يُتهم، ومن يُستثنى، وفي القضايا التي تُفتح وتلك التي تُغلق.

داخل حرب السودان، يكتسب هذا الاستخدام بُعداً أخطر، لأن الحرب تخلق بيئة سيولة: غياب الرقابة، ضعف المؤسسات، وتداخل السرديات.

وفي هذه البيئة، يصبح توسيع النصوص القانونية دون مساءلة أكثر سهولة.

المادة 51 تُستخدم هنا ليس فقط لمعاقبة، بل لإنتاج أثر نفسي جماعي.

العقوبة التي قد تصل إلى الإعدام تتحول إلى رسالة ردع مسبق: الاقتراب من هذا الملف مكلف.

الخوف لا يأتي من الحكم فقط، بل من المسار نفسه:

الاحتجاز، الإجراءات الطويلة، والاستنزاف القانوني والنفسي.

وبذلك تصبح العملية القانونية جزءاً من العقوبة.

بهذا المعنى، نحن لا نتحدث عن تطبيق قانون في زمن حرب، بل عن استخدام القانون كأداة من أدوات الحرب.

والأخطر هو الخلط بين الدولة والسلطة.

حين يُعامل النقد أو التوثيق كتهديد للدولة، يُغلق المجال العام بالكامل تحت غطاء قانوني.

في النهاية،

المادة 51 لا تعمل هنا كحماية من الحرب،

بل كأداة تجعل القانون نفسه جزءاً من الحرب ضد المواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!