من أديس أبابا إلى برلين.. خيط هدنة إنسانية يُنسج بهدوء وسط ضجيج الحرب في السودان
التنوير متابعات

التنوير متابعات
في لحظة دقيقة تتقاطع فيها الإرهاقات الإنسانية مع انسداد الأفق العسكري، نجحت قوى مدنية سودانية مناهضة للحرب في الاقتراب من نقطة التقاء أولى، بإعلان توافق مبدئي على إقرار هدنة إنسانية، خلال اجتماع تحضيري انعقد بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، اليوم الأحد، تمهيدًا لمؤتمر برلين المرتقب.
الاجتماع، الذي جاء برعاية وتيسير اللجنة الخماسية التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة “إيقاد”—لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل مثّل مساحة سياسية نادرة لإعادة ترتيب الأولويات، حيث تصدّر وقف نزيف الحرب جدول النقاش، بوصفه المدخل الضروري لأي عملية سياسية ذات معنى.
وبحسب ما رشح من مداولات، فقد انصبت الجهود على صياغة بيان مشترك يحمل ملامح مرحلة جديدة، يتضمن دعوة واضحة إلى هدنة إنسانية، تُمهّد لفتح ممرات الإغاثة وتخفيف معاناة المدنيين، إلى جانب رسائل سياسية داعمة للسلام، تشدد على ضرورة إطلاق عملية سياسية سودانية خالصة، تستند إلى قاعدة عريضة من التوافق الوطني، بعيدًا عن الإقصاء أو الاحتكار.
وتُشير المعطيات إلى أن هذه المخرجات مرشحة لتكون جزءًا من البيان الختامي لمؤتمر برلين، الذي يُنظر إليه كمنصة دولية مفصلية لإعادة توجيه مسار الأزمة السودانية، في ظل تزايد القناعة الدولية بأن استمرار الحرب لم يعد خيارًا قابلاً للاحتواء.
ويكتسب هذا التوافق أهميته من كونه ثمرة سلسلة مشاورات امتدت لأشهر، جمعت طيفًا واسعًا من القوى السياسية والمدنية، حيث جرى خلالها تفكيك نقاط الخلاف، وبناء أرضية مشتركة حول القضايا الجوهرية، ما يعكس تحوّلًا تدريجيًا من حالة التباين الحاد إلى مقاربة أكثر براغماتية تضع إنقاذ البلاد فوق الحسابات الضيقة.
ورغم أن الطريق لا يزال محفوفًا بالتعقيدات، فإن هذا التطور يبعث بإشارة سياسية لافتة مفادها أن الفاعلين المدنيين باتوا أكثر استعدادًا لتجاوز خلافاتهم، والانخراط في مسار جماعي يوازن بين ضرورات الإغاثة العاجلة ومتطلبات الحل السياسي الشامل.
في المحصلة، يبدو أن أديس أبابا لم تكن مجرد محطة عابرة، بل قد تكون نقطة الانطلاق الأولى نحو إعادة تعريف الممكن في المشهد السودانيحيث تُختبر للمرة الأولى منذ شهور طويلة، جدية الانتقال من منطق الحرب إلى منطق التسوية.




