السودان والهيمنة المصرية الصيحة الاخيرة قبل الابتلاع الفصل الاخير
المفكر والكاتب السياسي د.النور حمد

المفكر والكاتب السياسي د.النور حمد

يرى كثيرٌ من المحلِّلين السياسيين أن الصدام بين الفريق البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين، واقعٌ لا محالة، وأن حدوثه ليس سوى مسألة وقتٍ، لا أكثر. وقد يكون ذلك صحيحًا وقد لا يكون صحيحًا تمامًا. فالساحة السياسية والعسكرية في السودان الآن بحرٌ من الرمال المتحركة لا مجال لأن تثبت فيه قدم. فهناك احتمال أن يكون إظهار أن هناك خلافًا بين تنظيم الأخوان المسلمين وبين الفريق البرهان واحدةً من المسرحيات التي اعتاد تنظيم الإخوان المسلمين على إخراجها. القصد منها تطمين مصر بأن أجندة الفريق البرهان متعارضةٌ مع أجندة تنظيم الإخوان المسلمين، لكي يمضي النظام المصري في دعمه للفريق البرهان، دون تردد، حتى تثبت قدماه تمامًا، ويحوز السلطة ويستغني عن السند المصري، ويعود إلى حضن الإخوان المسلمين ومنظومتهم الدولية الحالمة بخلق كتلة إسلامية أممية عابرة للأقطار. لكن الشواهد تميل أكثر إلى تقوية الاحتمال القائل إن خطة البرهان هي الاعتماد على مصر لكي يضمن لنفسه البقاء في السلطة، نظير تسليمها جمل السودان بما حمل، وأن المعركة المؤجلة بينه وبين تنظيم الإخوان المسلمين سوف تحدث. وهذا الاحتمال، كلما توفرت الشواهد العملية مع مرور الأيام على غلبته، هو الذي سوف يدفع بواحدٍ أو بأكثر من واحدٍ من فصائل تنظيم الإخوان المسلمين للتفكير الجدي في الإطاحة بالفريق البرهان، بطريقة ما.
فكرة العودة إلى الحكم من جديد فكرةٌ مركزيةٌ مسيطرةٌ سيطيرةً كاملةً على عقول قيادات تنظيم الإخوان المسلمين في السودان. فكثيرون منهم مؤمنين بهذه العودة إيمانًا يبلغ درجة اليقين. فهم يتطلعون نحو تلك العودة بثقةٍ لا يخالجها الشك. فاعتقادهم الراسخ الذي طالما عبروا عنه هو أنهم ما أتوا إلى الحكم في السودان إلا ليبقوا فيه، إلى الأبد. كما أن عودتهم، إن هي حدثت، لا قدر الله، سوف تقوي فيهم هذا الوهْم الغنوصي بأنهم مختارين من قبل العناية الإلهية لتحقيق حلم الأممية الإسلامية. وفي هذا السبيل فهم منوطٌ بهم، دون غيرهم، إخراج السودان من دائرة النكسات والهزائم التي احتوشته على مدى قرنٍ كاملٍ من الزمان، إلى فتحٍ كبير مبين يتعداه ليشمل الأقطار الإسلامية. فهم يتمسكون وللغرابة بهذه الفكرة رغم أنهم قد حكموا السودان، حتى الآن، لستةٍ وثلاثين عامًا، فلم يزيدوه إلا خسارًا. فالإخوان المسلمون السودانيون رغم معرفتهم اليقينية بفسادهم الذي لا يماثله فساد، فإن بهم من البؤس المعرفي، ومن التشويش الذهني، ومن الغرور، ومن القدرة على مغالطة الذات، ما يجعلهم واثقين، كل الثقة، أن السماء قد اختارتهم، دون غيرهم، لإنجاز أقدس المهام على وجه الأرض.
مصر تلعب لعبة خطرة
هناك تنسيقٌ ظاهرٌ بين الفريق البرهان، المهووس بأن يكون رئيسًا للسودان مدى الحياة، وبين مدير جهاز المخابرات السودانية السابق، المقيم في القاهرة، صلاح قوش، الواقع في قبضة المخابرات المصرية. التناغم بين هذين الرجلين، والذي ظهر جليًّا منذ إغلاق ميناء بورتسودان مع الطريق البري الرابط بين الميناء وبقية البلاد، لخنق حكومة عبد الله حمدوك الانتقالية تمهيدًا للانقلاب عليها، أوحى لمصر أن تنظيم الإخوان المسلمين في السودان قابلٌ للترويض. وفي اعتقادي أن هذا خطأ قاتل. فلهذا التنظيم عدة رؤوس. فمنهم الأوليغارك الذين يمكن ترويضهم بالمناصب وبمنحهم فرص جني الثروات. لكن، هناك أطرافٌ أخرى بينهم، شديدة الدوغمائية الدينية، شديدة العنف. وقد أوضحت الحرب الجارية الآن هذه الرؤوس المتعددة لتنظيم الإخوان المسلمين. فالجيش الذي دعمته مصر بالسلاح وبالخبرة العسكرية وبسلاح الطيران لكي يبقى الفريق البرهان في السلطة، طفقت تحارب إلى جانبه كتائبٌ متطرفةٌ شديدة الشراسة، تجز الرؤوس وتبقر البطون وتنهش الأحشاء، وتبشر بشعارات داعش ومثيلاتها. والغرض من إظهار هذا التوحش وتصويره وبثه على الملأ، هو تنفير المجتمع الدولي من الوقوف في صف الفريق البرهان ليبقى سجينًا في معسكر القوى المقاومة للغرب رغم أنفه. فهؤلاء المتطرفون يرون أن المجتمع الدولي والقوى الإقليمية القريبة من الغرب ما قبلت حاكمًا عربيًا أو مسلمًا أو وقفت وراءه إلا من أجل الإضرار بالإسلام والمسلمين.
لكن، ربما قام في بال النظام المصري وجهاز مخابراته أن في إمكانهم أن يعملوا على إبقاء الفريق البرهان في السلطة، وإلى جانبه تنظيم الإخوان المسلمين، لكن في صورةٍ جديدةٍ لا يُخشى منها على أمن النظام المصري. أي، صورةٌ مخالفةٌ لتلك التي عليها تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، الذي من فرط شعور المؤسسة العسكرية المصرية القابضة بخطره عليها، لم تتردد قط في أن تفتك به بتلك الطريقة الوحشية، برضا كامل من القوى الغربية. فإن كان تقدير النظام المصري أن من الممكن ترويض تنظيم الإخوان المسلمين في السودان وجعله خادمًا مطيعًا للمصالح المصرية في السودان، فإنه يقع، بلا شك، في خطأٍ تقديريٍّ فادح. وإني أرجِّح أن من سوَّق للنظام المصري فكرة أن تنظيم الإخوان المسلمين في السودان قابل للترويض هو مدير جهاز المخابرات السودانية السابق، صلاح قوش. فهو كثيرًا ما رشح عنه، على المستوى الشخصي، ما يدل على أن همه الأول والأخير هو السلطة، وليس التطبيق الحرفي لأيديولوجيا الإخوان المسلمين. ومن دون شك، أن النظام المصري يعرف بقدرٍ ما أن الإخوان المسلمين في السودان يقفون وراء البرهان وقوفًا تكتيكيًا، غير أن مطامع النظام المصري الجامحة وعجلته على حيازة ثروات السودان، بل وإلحاقه بمصر بصورةٍ مستدامةٍ، أعمته عن رؤية الخطر الإخواني الكامن في هذه الأوضاع السودانية الملتبسة. فذهب مع طمأنة نفسه بإمكانية ترويضهم.
سوف يعمل الإخوان المسلمون في السودان على إزاحة الفريق البرهان في اللحظة التي يشعرون فيها بأنه في طريقه إلى الانفراد بالسلطة، والارتماء بصورةٍ نهائيةٍ في الحضن المصري. وكما سبق أن قلنا فإن مصر والفريق البرهان يعرفان أن وجود الإخوان المسلمين إلى جانبهم في المرحلة الأولى من مراحل دحر ثورة ديسمبر 2018 ونسف أهدافها أمرٌ ضروريٌّ للغاية. وأن اللحظة التي سيتمكَّنان فيها من إبعاد الإخوان المسلمين أو تدجينهم بصورة نهائية سوف تأتي، ليبقى الفريق البرهان في السلطة عبر نهج الانتخابات المزيفة، ليصبح “سيسي” آخر في السودان. وأفضل ما يمكن أن نصف به هذا الوضع الشائك المتعلق بثلاثي الفريق البرهان والإخوان المسلمين والمخابرات المصرية، أنه وضعٌ يتربُّص فيه الكلُّ بالكل. فهو بجرٌ من الرمال المتحركة التي لا يقر لها قرار.
حربائية البرهان والإخوان
ظل نظام الإخوان المسلمين في السودان يغير جلده كما تغير الحرباء لونها كلما دخلت محيطًا جديدًا؛ فهي خضراء اللون حين تحيط بها الأوراق وهي بنية اللون حين تلصق بجذع الشجرة. وما من شك أن النظام المصري قد عايش وعن كثبٍ كل تقلبات هذه الجماعة المتلونة. فقد شهدها في بداياتها أول عقد التسعينيات من القرن الماضي وهي تنخرط في محاولات تصدير نموذجها إلى دول القرن الإفريقي. ثم وهي تهاجم دول الخليج العربية بلغة جارحةٍ متنطعةٍ كما يفعل الفريق ياسر العطا اليوم مع دولة الإمارات. كما شاهدوها وهي تقف مع غزو صدام حسين للكويت في عام 1991. وأيضًا، وهي تحاول اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995. ثم عايشوا ارتماءها في الحضن الإيراني وجلبها إيران إلى السودان وإلى موانئه، مخلة بمعادلة أمن البحر الأحمر. ثم عايشوا يوما بيوم تهريبها للأسلحة إلى منظمة حماس عبر بدو صحراء سيناء المصرية. ويعرف النظام المصري أيضًا كيف هرعوا إلى مصر بفرحة عارمة حين صعد الإخواني محمد مرسي على قمة السلطة بل واستقدموه إلى السودان وفتحوا له حدود السودان ودعوه لإرسال المصريين لتملك أراضي السودان والاستيطان فيها.
كذلك، من الغريب جدًا أن نرى النظام المصري في اللحظة الراهنة، التي يمد فيها الفريق البرهان أيديه، ومن ورائه تنظيم الإخوان المسلمين إلى إسرائيل لتدعمه دبلوماسيًا وربما لتمده ببعض السلاح، وإلى إيران لتسنده بالسلاح والخبرات القتالية، لا يزال يساند الفريق البرهان. فقد حصل السودان بالفعل، على مسيَّراتٍ وغيرها من الأسلحة من إيران. وفي حين ذكرت بعض المصادر الإسرائيلية أن إسرائيل رفضت التعاون معه بسبب نهجه المزدوج الذي يريد أن يحتفظ فيه بدعم كل من إسرائيل وإيران في وقتٍ واحد، نجد أن النظام المصري تعميه أطماعه دومًا من رؤية الأمور بوضوح كاف ليبقى منخرطًا بكليته في دعم الفريق البرهان. فرغم معرفته بكل التقلُّبات التي تقلبها نظام الإخوان المسلمين في السودان، والفريق البرهان جزء لا يتجزأ من هذه العقلية الإخوانية ونهجها الحربائي في الحفاظ على السلطة، يعتقد النظام المصري أنه لا محالة الفائز الوحيد بكنز السودان في نهاية الأمر.
ختامًا، أحب أن أقول إن رهان النظام المصري على الفريق البرهان مغامرةٌ ليست مضمونة العواقب. فالكتائب المتطرفة التي تحولت إلى لواءات وإلى فرق عسكرية، تسير الآن سيرًا حثيثًا لكي تحل محل الجيش السوداني. وستستقوي في ذلك بالدعمين العسكريين المصري والإيراني. فالإخوان المسلمون لم ينشئوا هذه الكتائب ولم يبعثوها إلى الخارج للتدريب، ولم يسلحوها تسليحًا نوعيًّا إلا لكي يستخدموها حين يحيط الخطر بنظامهم. ولم يحط الخطر بنظامهم بمثل ما أحاط به بسبب ثورة ديسمبر الشعبية العارمة وبسبب هذه الحرب التي أشعلوها دون أن يحسبوا مجرياتها حسابًا صحيحا. هذه الكتائب التي أسماها نائب الرئيس البشير في بداية الثور “كتائب الظل” وهدَّد بذكرها الثوار، وهدد بها في نفس الوقت الجيش إن هو انحاز إلى جانب الثوار، هي مشروع “الحرس الثوري السوداني” الذي سوف يصبح الكيان العسكري الوحيد في السودان لحماية نظام تنظيم الإخوان المسلمين. فمجريات الأمور تشير إلى أن غبار المعارك الجارية حاليًا سوف ينقشع وسط هذه التقاطعات الكثيرة إلى عسكرة السودان في الوسط والشرق والشمال عسكرةً متطرفة. وستجتذب هذه البنية العسكرية المتطرفة في ظل الفوضى الشاملة الحالية، آلاف الشباب الأفارقة الذين درسوا وتخرجوا في مفرخة الإرهابيين، المسماة “جامعة إفريقيا العالمية”، ممن غادروها وانضموا إلى بوكو حرام والشباب الصومالي وغيرها من التنظيمات الداعشية المتطرفة. حينها سيعرف النظام المصري، بعد فوات الأوان، أي غول قد هيأ له المناخ ليكبر في جواره الجنوبي.
محاولة النظام المصري سرقة خيرات السودان؛ من مياهٍ وأرضٍ ومنتجاتٍ حيوانيةٍ ونباتيةٍ ومعدنيةٍ، من وراء ظهر أهله، خطأ استراتيجي فادح. إن ما يضمن لمصر علاقةً مستقرةً مع السودان، تحفظ أمنها من جميع الوجوه، ويمنحها كل الفرص في الاستثمار الشفاف فيه ويساعدها في إقامة تكامل اقتصادي مثمر واضح الأسس ومستدام، هو أن تتخلى عن موروثها الخديوي وعن سياسية الهيمنة وفرض الإرادة والتحكم في مجريات السياسة السودانية عبر اللعب على التناقضات السودانية. فالشعب السوداني بخلاف نخبه التي طالما أدمنت بيع نفسها لدول الجوار ودول الإقليم تحت مختلف الذرائع. ولسوف يبقى الشعب السوداني، بحكم طبيعته، قادرًا على الدوام على الإطاحة بهذه النخب، عسكريةً كانت أم مدنية، حين تسلبه حقوقه وتفرط في استقلالية قراره لكي تحقق مصالحها هي، أو مصالح أي قوى خارجية رهنت نفسها لها.
السودانيون شعب يحب الديمقراطية ويحب الوضوح ويكره المؤامرات ونهج السياسة القائم على الخبث والدس والوقيعة بين القوى المتصارعة. فبناء العلاقة المنتجة المستدامة مع السودان لن تنجح إلا إذا قامت فهم صحيحٍ لطبيعة الشعب السوداني، وعلى احترام خيراته وعلى رأسها ابتعاد العسكر عن السياسة وعن إدارة الاقتصاد وقيام نظام حكم ديمقراطي تدار فيه شؤون البلاد بشفافيةٍ مطلقة. لقد حاول العسكر قتل التوجه الديمقراطي للسودانيين ثلاث مرات، لكن لم يفلحوا في ذلك. والمحاولة الجارية الآن التي يتشاركها الفريق البرهان وتنظيم الإخوان المسلمين والنظام المصري وبعض الدول العربية محكومٌ عليها بالفشل. فعلى مصر والعرب أن يعرفوا أن مزاج الشعب السودان مغاير لمزاج الشعوب العربية وأن طبيعته مغايرة إلى حدٍّ كبير جدًا. فليسلموا له بذلك ولا يحاولوا فرض ما لا يناسبه عليه. فإن في هذا إزهاقٌ للأرواح، وأهدارٌ للمال، والطاقات، واستدامةٌ للصراع غير المنتج، وتعطيلٌ لعجلة التقدم والتكامل المثمر في الإقليم. ولن يصح في النهاية إلا الصحيح.
هذا الكتاب، من جانبي هو الصرخة الأخيرة في التنبيه إلى خطر سياسات الهيمنة المصرية على السودان. ورغم أن محاولات الهيمنة على السودان من جانب مصر لم تتوقف قط، منذ خروج الحكم الخديوي من السودان في عام 1885، بل أنها بلغت في ظل هذه الحرب التي أسهمت مصر في إشعالها وانخرطت فيها عسكريًّا حدًّا لم تبلغه من قبل. لقد أصبحت أبواق النظام المصري الحالي تتحدث عن الوصاية على السودان بثقةٍ وبجاحةٍ وقلة حساسيةٍ مدهشة. والسبب أن مصر لم تجد في تاريخها، رغم خضوع كل السياسيين السودانيين الذين حكموا البلاد لإرادتها، شخصًا بلغ في الاستعداد لتسليمها جمل السودان بما حمل ما بلغه الفريق عبد الفتاح البرهان. وقد جاءت صفقة إعادة إعمار السودان “السرية” لتكشف الخطة المصرية المحكمة لربط السودان اقتصاديًا بمصر وجعلها الوصية عليه. فتقتل موانئ التصدير لديه وتجعل من موانيها منفذه الوحيد، أو الرئيسي إلى الخارج. بل ولتحتكر صادرات ذهبه فتقوم بتصفيته وتسويقه بنفسها فتأخذ منه ما تراه ي وتعطي الباقي للفريق البرهان ليملأ به خزانته ويحمي به نفسه. بل جعلت مصر من نفسها مصنعا لمنتجات السودان؛ تشفطها منه بمختلف الطرق؛ الرسمية وغير الرسمية، وبأتفه الأسعار، لتصدرها هي لمصلحتها بالعملة الحرة. أكثر من ذلك، منح النظام المصري لنفسه حق الوكالة لمنح أراضي السودان للدول الخليجية نظير تمويلها لما سمي “خطة إعادة الإعمار”. بل بلغ ما تسرب من هذه الخطة حد الإعلان عن إنشاء مصر خزانًا جديدًا يخصها داخل الأراضي السودانية.
كان من الممكن للسودان أن يصبح، من استقلاله، واحةً للديمقراطية وللتنمية المستدامة في الإقليم. لكن بسبب تكالب القوى الإقليمية الكارهة للديمقراطية الخادمة للأجندة الغربية في المنطقة، إلى جانب تكالب القوى الغربية نفسها، التي يهمها تحقيق مصالحها الآنية في المنطقة، غض النظر عمن يعينها في تحقيق ذلك، بقي السودان لأكثر من نصف قرن تحت حكم العسكر. ولا يعود السبب إلى هذه القوى الخارجية وحدها، وإنما يعود أيضًا إلى القصور السوداني الذاتي، المتمثل في النخب السياسية السودانية التي اتسمت غالبيتها بضمور الرؤية السياسية واعوجاجها والانشغال بالمغانم الشخصية وبالمناصب وبالاستعداد لخدمة الأجندة الأجنبية. لم تدعم القوى الأجنبية الشعب السوداني الذي ثار ثلاث مراتٍ، على مدى نصف قرنٍ تقريبًا، مطالبًا بالديمقراطية، بقدر ما دعمت أعداءه داخل حدوده وفي دول جواره ومحيطه الإقليمي. ولم ينفك الشعب السوداني يخوض هذه المعركة المتطاولة حتى أوصلها أعداء تطلعاته إلى هذه الحرب الكارثية المدمرة. والآن، تشير الأمور إلى ما هو أفدح من تعطيل التحول الديمقراطي، لنصبح أمام احتمال ابتلاع السودان بواسطة مصر المدعومة ببعض القوى العربية الخليجية وبعض القوى الغربية. فنحن الآن لسنا أمام تحدي تحقيق التحول الديمقراطي، الذي ظللنا نتطلع إليه عبر ما يزيد عن نصف القرن، وإنما أمام أن نفقد المسرح نفسه الذي يمكن أن يجري من فوقه اصطراع القوى الديمقراطية وهي تسعى لكي يصل إلى منصة الحكم صاحب الرؤية الأصلح والقدرة الأكبر. لذلك، فإني أقدم هذا الكتاب نذيرًا عريانًا للتنبيه إلى خطر الخطة المصرية للإطباق على السودان، التي تدخل الآن آخر مراحلها. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.




