رأي

الخطيب والدقير: اختلاف النخب حول الوصول إلى السلطة وتجاهل سؤال تأسيس الدولة

الخطيب والدقير: اختلاف النخب حول الوصول إلى السلطة وتجاهل سؤال تأسيس الدولة

بقلم: خالد كودي، بوسطن

 

بين “التغيير الجذري” و”الجبهة المدنية”: قراءة من منظور السودان الجديد

إن السجال بين محمد مختار الخطيب، السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني، وعمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، يتجاوز الخلاف التنظيمي بين الحزبين، ويكشف عن أزمة أعمق في التفكير السياسي للنخب السودانية. فكلا المقالين يطرح أسئلة هامه حول وقف الحرب، ومصير ثورة ديسمبر، والتحالفات المدنية، ومخاطر التسويات السياسية. غير أن كليهما، رغم اختلاف منطلقاته، لا يقدم إجابة تأسيسية مكتملة عن السؤال الذي ظل يواجه السودان منذ الاستقلال: لماذا فشلت الدولة السودانية في أن تكون دولة لجميع مواطنيها، وكيف يمكن إعادة بنائها بحيث لا تستمر في إنتاج الحروب والاستبداد والتمييز؟

ليست المشكلة أن الرجلين يتجاهلان المظالم التاريخية تماماً؛ فكلاهما يتحدث عن العدالة والمواطنة والديمقراطية. لكن هذه المفاهيم تظل، في المواضع الحاسمة، شعارات سياسية عامة أكثر منها التزامات دستورية محددة، تحسم علاقة الدين بالدولة، وتوزيع السلطة والثروة، والعدالة والمحاسبة التاريخية، وحق تقرير المصير، وإعادة تأسيس المؤسسة العسكرية.

ومن هنا تنطلق هذه القراءة من رؤية السودان الجديد، مستعينة بالفكر الماركسي والنظرية الديمقراطية وفلسفات التحرر والعدالة، لمساءلة أطروحتي الخطيب والدقير وفق منطلقاتهما الفكرية، واختبار قدرتهما على تفسير الواقع السوداني وتقديم حلول تتجاوز إعادة ترتيب القوى السياسية داخل الدولة الموروثة.

 

أولاً: ماذا يقول محمد مختار الخطيب؟

يمكن تلخيص مقال الخطيب، “المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم — الجبهة العريضة هي الحل”، الصادر في 20 أكتوبر 2026، في ستة محاور رئيسية:

١/ الصراع بين مشروعين: مشروع ثورة ديسمبر القائم على التغيير الجذري، ومشروع “الهبوط الناعم” الذي يرى أنه يعيد إنتاج التبعية الاقتصادية والسياسية وبنية الدولة القديمة.

٢/ وقف الحرب واسترداد الثورة: لا يكفي وقف القتال أو تشكيل حكومة مدنية؛ بل ينبغي استعادة المسار الثوري وتنفيذ برنامج وطني ديمقراطي يعالج جذور الأزمة.

٣/ الجبهة الجماهيرية العريضة: يقترح بناء جبهة قاعدية في الأحياء والقرى ومواقع العمل والدراسة، تعتمد النضال السلمي والتنظيم الشعبي، وترفض التسويات الفوقية.

٤/ برنامج الدولة والاقتصاد: يدعو إلى المواطنة المتساوية والفيدرالية والحريات والعدالة وإعادة بناء القوات النظامية، وإلى اقتصاد مختلط يقوده القطاع العام، ويحد من التبعية الخارجية وتصدير المواد الخام.

٥/ التمييز بين قوى الثورة وخصومها: يشترط للانخراط في مشروعه قبول برنامج التغيير الجذري، ويرفض التحالف مع أطراف الحرب والقوى التي يصنفها ضمن مشروع “الهبوط الناعم” ما لم تراجع مواقفها.

٦/ المؤتمر الدستوري: يدعو إلى مؤتمر قومي في نهاية الفترة الانتقالية يضع أسس السودان الجديد عبر الحوار حول المظالم وكيفية الحكم.

تحاول أطروحة الخطيب تفسير الأزمة السودانية من خلال ثنائية “التغيير الجذري” و”الهبوط الناعم”، وكعادة النخب تختزل الصراع السياسي في مشروعين تتنازعهما نفس نخب وأحزاب المركز، وتتجاهل مالايمكن تجاهله او نكرانه، مشروعاً ثورياً ثالثاً، أسبق تاريخياً وأعمق في مساءلته لبنية الدولة، تمثله ثورة الهامش القائمة على قيم ومبادئ السودان الجديد، والتي بدأت بالتجمع حول هذه المبادئ. فالمشكلة ليست في المفاضلة بين تغيير جذري تقوده نخبة يسارية وتسوية سياسية تتبناها نخبة ليبرالية، وإنما في أن المشروعين، رغم اختلاف أدواتهما وخطابهما، ينطلقان من المجال السياسي المركزي نفسه، وينتهيان إلى إعادة إنتاج موقع النخب في تعريف الأزمة وتحديد مستقبل الدولة، دون معالجة حاسمة لجذور الهيمنة القومية والثقافية والدينية!

والأمر ليس طارئاً على التاريخ السوداني؛ فقد عبّرت مذكرة كرام المواطنين المؤرخة في 6 مارس 1925 عن حضور مبكر لمطالب الحقوق والمواطنة التي لا يجوز اختزالها في صراع الأحزاب المركزية. ومن ثم، فإن تجاهل الامتداد التاريخي لهذه المطالب، وما تطور عنها من نضالات وحركات تحرر ثورية، يكشف قصور الثنائية التي يقترحها الخطيب، وكذلك محدودية البديل التوافقي الذي يدافع عنه الدقير كما سنثبت في هذا المقال.

والمفارقة أن هذا الاختزال يتعارض حتى مع المنطلقات الماركسية التي يستند إليها الخطيب؛ فقد أكد لينين حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها، بينما حذّر فرانتز فانون من أن التحرر الوطني قد يتحول إلى مجرد انتقال للسلطة بين النخب إذا بقيت علاقات الهيمنة على حالها. فالتحرر من التبعية الخارجية، أو تغيير علاقات الإنتاج، لا ينهي بالضرورة الاضطهاد القومي والديني داخل الدولة. وكذلك فإن توسيع التحالفات المدنية لا يحقق الديمقراطية ما لم يقم على الاعتراف المتساوي بحقوق جميع الشعوب.

وعليه، فإن معيار التغيير الجذري ليس موقع القوى السياسية بين “الثورة” و”الهبوط الناعم”، بل موقفها من إعادة تأسيس الدولة على العلمانية، والمواطنة المتساوية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة والمحاسبة التاريخية، وحق تقرير المصير، وبناء جيش وطني قومي جديد. فهذه هي القضايا التي جعلتها ثورة الهامش جوهر مشروع السودان الجديد، بينما ظل السجال بين الخطيب والدقير محصوراً في كيفية إعادة ترتيب النخب داخل الدولة التي أنتجت الأزمة-أي داخل بنية السودان القديم.

 

ثانياً: ماذا يقول عمر الدقير؟

أما مقال عمر الدقير، المنشور في 24 أكتوبر 2026، فيركز على شروط بناء الجبهة المدنية، ويمكن تلخيص أطروحته في ست نقاط كلاتي:

١/ رفض الثنائية الإقصائية: ينتقد اختزال القوى السياسية في معسكرين، أحدهما يمثل الثورة والآخر يمثل “الهبوط الناعم”، ويرى أن الاختلاف في وسائل التغيير لا يعني بالضرورة الاختلاف في الأهداف.

٢/ الدعوة إلى أوسع تحالف مدني: يؤكد ضرورة التنسيق بين القوى المدنية المناهضة للحرب، بدلاً من فرض شروط سياسية تعطل العمل المشترك.

٣/ استدعاء تجربة ثورة ديسمبر: يستشهد بتوحيد قوى المعارضة في تحالف الحرية والتغيير، وبالتجارب السابقة للحزب الشيوعي في العمل الجبهوي.

٤/ الاعتراف بالقواسم المشتركة: يرى أن برنامج الخطيب يتضمن مبادئ يمكن الاتفاق عليها، مثل المواطنة المتساوية والفيدرالية والعدالة وإصلاح المؤسسات وسيادة الشعب على موارده.

٥/ مراجعة التجربة الانتقالية: يدعو إلى نقد أخطاء جميع الأطراف دون تحويل المراجعة إلى شرط لقبول الآخرين في التحالفات.

٦/ أولوية الفاعلية السياسية: يتساءل عن كيفية تحويل النشاط الجماهيري إلى قوة قادرة على وقف الحرب في ظروف النزوح والتشريد والقمع.

ينبه الدقير إلى خطر تحويل الاختلاف السياسي إلى قطيعة دائمة، لكنه لا يوضح كيف يمكن بناء توافق مدني واسع دون إعادة إنتاج المساومات التي حالت تاريخياً دون حسم القضايا التأسيسية للدولة السودانية!

ويمكن اختبار هذه الإشكالية من داخل الفلسفة الديمقراطية الليبرالية نفسها. فقد منح جون رولز الحقوق والحريات الأساسية أولوية في بناء النظام العادل، بينما ربط يورغن هابرماس مشروعية القرار السياسي بالمشاركة المتساوية وحرية النقاش، لا بمجرد اجتماع ممثلي القوى السياسية حول طاولة التفاوض.

وعليه، فإن اتساع التحالف لا يمنحه المشروعية الديمقراطية إذا ظلت الحقوق الأساسية عرضة للمساومة، أو إذا دخلت بعض القوى العملية السياسية وهي تتمتع بامتيازات تاريخية، بينما تدخلها مجتمعات أخرى لا تزال تطالب بالاعتراف بحقوقها.

فكيف يمكن أن يكون التوافق حراً ومتساوياً إذا كانت شروط المشاركة نفسها غير متكافئة؟ وكيف يمكن ضمان ألا تتحول الأغلبية السياسية إلى أداة جديدة لفرض الهوية الدينية أو الثقافية على الآخرين؟

إن الديمقراطية لا تبدأ بجمع المختلفين فحسب، بل بضمان ألا تتحول اختلافات القوة والنفوذ إلى تفاوت في قيمة المواطنة.

 

ثالثاً: اختلاف كمي في الوسائل، لا اختلاف نوعي في تصور الدولة

قد يبدو الخلاف بين الخطيب والدقير خلافاً بين مشروعين متعارضين: الأول يدعو إلى تغيير جذري ويرفض التسويات، والثاني يسعى إلى جبهة مدنية واسعة تقبل بالتنوع السياسي وتبحث عن المشتركات. لكن القراءة المتأنية تكشف أن الاختلاف بينهما، في القضايا التأسيسية، أقرب إلى الاختلاف الكمي منه إلى النوعي.

فالخطيب يسأل: كيف نضمن ألا تختطف قوى “الهبوط الناعم” الثورة مرة أخرى؟ بينما يسأل الدقير: كيف نمنع شروط الخطيب من تفكيك الجبهة المدنية اللازمة لإنقاذ البلاد؟

يدور السؤالان حول تنظيم القوى السياسية وإدارة خلافاتها أكثر مما يدوران حول إعادة تعريف الدولة السودانية. فالخطيب يريد جبهة عريضة، لكنه يضيق شروط الانضمام إليها وفق تعريفه للتغيير الجذري. والدقير يريد توسيع الجبهة، لكنه لا يحدد الحدود الدستورية التي ينبغي ألا يتجاوزها توافقها. الأول يخشى أن تؤدي المرونة السياسية إلى إعادة إنتاج النظام القديم، والثاني يخشى أن تؤدي الصرامة السياسية إلى تعطيل العمل المشترك!

وهكذا يتنازعان على شروط بناء التحالف، بينما يظل السؤال عن المبادئ غير القابلة للمساومة في تأسيس الدولة دون إجابة حاسمة من كلاهما!

ولا يعني ذلك تطابق برنامجي الحزبين أو إنكار اختلافاتهما الاقتصادية والتنظيمية، وإنما يعني أن هذه الاختلافات لا ترقى، في المسألة التأسيسية، إلى تصورين مختلفين جذرياً لطبيعة الدولة. فكلاهما ينطلق من المجال السياسي المركزي الموروث، ولا يمنح ثورة الهامش ومطالبها التاريخية الموقع الذي تستحقه في تعريف الأزمة السودانية.

وهنا تكتسب مساهمة أنطونيو غرامشي في تحليل الهيمنة أهميتها. فالهيمنة لا تقوم على الإكراه وحده، بل على قدرة القوى المسيطرة على تقديم مصالحها وتصوراتها بوصفها التعبير الطبيعي عن المصلحة العامة. ولذلك فإن تغيير الحكومات أو توسيع التحالفات لا يكفي إذا ظلت مفاهيم الوطنية والشرعية وهوية الدولة محكومة بالإطار الفكري الذي أنتج الإقصاء.

فهل تسعى الجبهات المقترحة إلى بناء تصور جديد للدولة، أم إلى إعادة تنظيم القوى السياسية داخل التصور الموروث نفسه؟

إن تغيير موازين القوى دون تغيير قواعد إنتاج الشرعية قد يؤدي إلى تداول النخب على السلطة، لا إلى تحرير المجتمع من هيمنتها. وهذا هو الفارق بين الإصلاح السياسي والتغيير التأسيسي.

 

رابعاً: أزمة السودان أكبر من الصراع الطبقي والتنافس على السلطة

إن أزمة السودان ليست مجرد صراع بين العمال والرأسماليين، أو بين العسكريين والمدنيين، بل أزمة دولة تشكلت على اختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة، وعلى هيمنة ثقافية ودينية وإقليمية حرمت قطاعات واسعة من السكان من المواطنة المتساوية.

لقد تداخل الاستغلال الاقتصادي مع العنصرية والتهميش القومي والديني، فأصبح الفقر في مناطق واسعة من السودان مرتبطاً بموقع الإنسان وهويته وعلاقته بمؤسسات الدولة. ولذلك فإن المواطن في جبال النوبة أو النيل الأزرق أو دارفور لم يتعرض للحرمان الاقتصادي وحده، بل واجه أيضاً الإقصاء الثقافي والديني، والحروب والنزوح، وإنكار حقه في المشاركة المتساوية في تعريف الدولة.

وهنا تظهر محدودية القراءة الماركسية التي تمنح التناقض الطبقي موقعاً تفسيرياً يكاد يستوعب بقية التناقضات. فالصراع الطبقي لا يلغي الاضطهاد القومي والديني، كما أن الاعتراف بالهوية لا يلغي الاستغلال الاقتصادي؛ بل تتداخل هذه العلاقات وتعيد إنتاج بعضها بعضاً.

وتتضح هذه المحدودية إذا عدنا إلى لينين نفسه، الذي أكد في كتاباته عن حق الأمم في تقرير المصير ضرورة الاعتراف بحقوق الشعوب المضطهدة، بما في ذلك حقها في الانفصال، دون أن يعني ذلك الدعوة إلى الانفصال في كل حالة. ومن هنا يصبح السؤال الموجه إلى الخطيب سؤالاً من داخل مرجعيته الفكرية: كيف يمكن الحديث عن تغيير جذري في السودان دون جعل الاضطهاد القومي وحق تقرير المصير جزءاً أصيلاً من مشروع إعادة تأسيس الدولة؟

أما فرانتز فانون، فقد أوضح في كتابه “معذبو الأرض” أن الاستقلال السياسي قد ينتهي إلى استبدال النخبة الاستعمارية بنخبة وطنية ترث مؤسساتها وامتيازاتها، دون أن تنجز التحرر الاجتماعي الذي ناضلت من أجله الجماهير.

وهذه الملاحظة تفسر جانباً من مأزق الدولة السودانية التي تعاقبت على حكمها نخب مدنية وعسكرية، بينما استمرت علاقات الهيمنة والتهميش التي تشكلت خلال الحقبة الاستعمارية وتطورت بعدها.

فالجذرية الثورية لا تكمن في إعلان العداء للرأسمالية أو التبعية وحدهما، وإنما في القدرة على تغيير المؤسسات والعلاقات التي تسمح لجماعة اجتماعية أو ثقافية أو دينية باحتكار الدولة وإقصاء الآخرين.

 

خامساً: الليبرالية الجديدة وإعادة تدوير النخب المركزية

في المقابل، لا تقدم المقاربة الليبرالية التي يمثلها خطاب الدقير إجابة كافية عن المأزق السوداني. فالدعوة إلى أوسع توافق مدني قد تبدو ديمقراطية في ظاهرها، لكنها تصبح قاصرة عندما تتجنب تحديد الأسس الدستورية التي لا يجوز إخضاعها لمساومات التحالفات.

ولا ينبغي الخلط بين الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية الجديدة؛ فالأخيرة تقوم، في أبرز تطبيقاتها، على أولوية السوق وتقليص الدور الاقتصادي للدولة. ولا يكفي مقال الدقير وحده لإثبات تبنيه جميع هذه السياسات. غير أن النقد هنا يتوجه إلى نمط من التفكير السياسي النخبوي يعوّل على التسويات الفوقية والاعتراف الدولي وإعادة ترتيب السلطة، أكثر مما يعوّل على تغيير العلاقات الاجتماعية والمؤسسية التي أنتجت التهميش.

فإذا كانت الديمقراطية تقوم على المساواة، فلا يجوز أن تصبح حرية الاعتقاد أو عدم التمييز أو الحقوق السياسية للأقليات موضوعاً لمساومات الأغلبية. كما أن المساواة الشكلية على طاولة التفاوض لا تعالج التفاوت الفعلي بين المشاركين؛ ولذلك فإن التوافق الذي لا يبدأ بالاعتراف بالحقوق التاريخية لشعوب الهامش قد يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج امتيازات المركز باسم الديمقراطية.

أما التعويل على الوساطات الخارجية والمجتمع الدولي لإعادة القوى المدنية إلى الحكم، دون امتلاك مشروع تأسيسي يستجيب لمطالب المجتمعات المتضررة، فلن يوفر استقراراً مستداماً. فقد تساعد الضغوط الدولية في وقف الحرب وفتح المسارات السياسية، لكنها لا تستطيع منح أي نخبة شرعية اجتماعية لا تستمدها من المواطنين أنفسهم.

وهنا يصبح نقد سمير أمين للتبعية وعلاقات المركز والأطراف في الاقتصاد العالمي مهماً؛ إذ يوضح أن التحرر لا يتحقق بمجرد الاندماج في ترتيبات سياسية واقتصادية ترعاها القوى الخارجية، ما لم تمتلك المجتمعات القدرة على تحديد أولوياتها التنموية والسياسية.

لقد تجاوز الواقع السوداني فكرة أن المركز يستطيع وحده تحديد مستقبل البلاد. فالمجتمعات التي تعرضت للحروب والتهجير والتمييز لم تعد مجرد جمهور ينتظر نتائج المفاوضات، بل أصبحت صاحبة مطالب سياسية وتاريخية، وارتبطت قطاعات منها بحركات تحرر ثورية ومسلحة قدمت تضحيات جسيمة من أجل تغيير طبيعة الدولة ولن تتنازل عن حقوقها!

وأي تسوية تعيد توزيع السلطة بين النخب التقليدية دون معالجة أسباب هذه المقاومة ستبقي شروط تجدد الصراع قائمة، مهما اكتسبت من اعتراف خارجي أو غطاء سياسي.

 

سادساً: جبهات النخب في مواجهة واقع الحرب وثورة الهامش

يتحدث الخطيب عن جبهة جماهيرية عريضة، ويدعو الدقير إلى مركز مدني واسع، لكن كليهما لا يوضح كيف ستنشأ هذه الجبهات وتعمل في واقع تفككت فيه مؤسسات المجتمع، ونزح ولجأ فيه الملايين، وتعرضت فيه مجتمعات بأكملها للعنف والتمييز على أساس الهوية.

عن أي جماهير يتحدثان؟ وأين تقع المجتمعات التي خاضت حروباً طويلة دفاعاً عن حقوقها في تصوراتهما للتحالفات السياسية؟ وهل يُعقل أن تحدد النخب المركزية شروط المشاركة في تأسيس السودان، بينما تُختزل قضايا شعوب الهامش في الترتيبات الأمنية والمساعدات الإنسانية؟

تكمن نخبوية المشروعين في أنهما يمنحان القوى السياسية التقليدية سلطة تعريف الأولويات الوطنية، ثم يدعوان الآخرين إلى الانخراط في البرامج والجبهات التي تقترحها تلك القوى. فالخطيب يحدد شروط الانتماء إلى التغيير الجذري، والدقير يدعو إلى التوافق المدني، لكن أياً من المقالين لا يمنح مطالب ثورة الهامش موقعها المستحق بوصفها قضية تأسيسية لا يمكن تجاوزها!

وهنا تبرز أهمية نقد باولو فريري للوصاية على المقهورين في كتابه “تعليم المقهورين”. فالتحرر لا يتحقق عندما تتولى نخبة “أكثر وعياً” صياغة مستقبل المضطهدين نيابة عنهم، بل عندما يصبح هؤلاء شركاء في فهم واقعهم وتغييره.

ويضيف إدوارد سعيد بعداً آخر إلى هذا النقد؛ إذ إن سلطة تمثيل الآخرين وتعريفهم قد تتحول إلى شكل من أشكال الهيمنة عندما يُحرم هؤلاء من التعبير عن تجاربهم وتحديد أولوياتهم.

فشعوب جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور واحزمة المدن السوداء ليست مجرد موضوع للسياسات الإنسانية أو الأمنية، بل مجتمعات لها تاريخ سياسي ومطالب ورؤى لمستقبل الدولة. ولا يجوز أن تتحول الدعوة إلى الحكم المدني إلى احتكار جديد لحق المبادرة السياسية، بحيث تُترك للنخب التقليدية مهمة كتابة الدستور، بينما تُحصر قضايا شعوب الهامش في نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج – “ده كان زمان” !!

إن السودان لا يواجه أزمة نقص في الشعارات أو التحالفات، بل أزمة مشروعات سياسية لم تستوعب أن شعوب الهامش ليست ملحقاً بالعملية السياسية، وإنما شريك أصيل في إعادة تأسيس الدولة.

 

سابعاً: العدالة التاريخية ليست ملفاً يبدأ بحرب أبريل 2023

من أخطر أوجه القصور في الخطاب السياسي المركزي التعامل مع العدالة بوصفها استجابة للانتهاكات المرتكبة خلال الحرب الحالية، دون وضعها في سياق الجرائم والمظالم التي سبقتها بعقود.

فالعدالة لا تبدأ في أبريل 2023. إنها تشمل الحروب السابقة، وسياسات الأرض المحروقة والتهجير، والتمييز المؤسسي، والاستيلاء على الموارد، والانتهاكات التي تعرضت لها المجتمعات المهمشة في ظل أنظمة مدنية وعسكرية متعاقبة.

ولا تكفي العدالة الانتقالية إذا اختُزلت في تسوية سياسية أو إجراءات محدودة للمصالحة. المطلوب عدالة تاريخية تعترف بالضحايا، وتضمن المحاسبة وجبر الضرر، وتعالج ملكية الأرض والموارد، وتعيد بناء المؤسسات التي سمحت بتكرار الجرائم واولها الجيش والقوات الأمنية.

وهنا تساعدنا نانسي فريزر في فهم العدالة من خلال أبعادها الثلاثة: إعادة توزيع الموارد، والاعتراف بالهوية، والتمثيل السياسي. فلا تتحقق العدالة بمعالجة الفقر وحده، ولا بمجرد الاعتراف الثقافي، بل تتطلب أيضاً إنهاء الإقصاء من مواقع اتخاذ القرار.

وعليه، فإن العدالة التاريخية في السودان لا يمكن اختزالها في تعويضات مادية أو محاكمات جنائية، على ضرورتهما، بل ينبغي أن تشمل إعادة توزيع السلطة والموارد، والاعتراف بالمجتمعات التي تعرضت للاضطهاد، وضمان مشاركتها المتساوية في مؤسسات الدولة وتفعيل برامج التفضيل الإيجابي.

إن تأجيل هذه الاستحقاقات باسم التوافق الوطني أو ترتيب الأولويات الثورية ليس موقفاً محايداً؛ بل سيمنح القوى المستفيدة من الدولة القديمة فرصة جديدة للاحتفاظ بامتيازاتها.

 

ثامناً: السودان الجديد بوصفه بديلاً تأسيسياً

هنا يتحدد الاختلاف بين مشروعي الخطيب والدقير ورؤية السودان الجديد التي تطرحها الحركة الشعبية ضمن مشروعها السياسي، وتتبناها قوى تحالف تأسيس.

فالسودان الجديد ليس برنامجاً انتخابياً لإدارة الدولة الموروثة، وإنما مشروع لإعادة تأسيسها على مبادئ المواطنة المتساوية، والعلمانية والفصل بين الدين والدولة، والديمقراطية الدستورية، واللامركزية الحقيقية، والعدالة والمحاسبة التاريخية، وحق تقرير المصير، وبناء جيش وطني قومي جديد يخضع للسلطة المدنية.

هذه المبادئ ليست شعارات قابلة للتأجيل حتى تتفق النخب، بل ضمانات تأسيسية ينبغي تحصينها دستورياً. أما كيفية تنفيذها، وشكل المؤسسات والسياسات الاقتصادية، فهي موضوع للحوار الديمقراطي بين مواطنين متساوين.

وفي هذا السياق، تكتسب أفكار أمارتيا سن حول التنمية بوصفها حرية أهمية خاصة. فالتنمية ليست مجرد زيادة الإنتاج أو الدخل القومي، بل توسيع قدرات الناس على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم. ولذلك فإن اللامركزية في مشروع السودان الجديد ليست مجرد نقل للاختصاصات الإدارية، بل تمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها وتحديد أولوياتها السياسية والتنموية.

كما أن نقد ألبرت ميمي للعلاقات الاستعمارية يوضح أن إنهاء السيطرة لا يتحقق بتغيير هوية الحاكم وحده، بل بتفكيك العلاقة التي تمنح جماعة سلطة تعريف الآخرين والتحكم في مصائرهم.

أما حق تقرير المصير، فلا ينبغي التعامل معه بوصفه تهديداً للوحدة الوطنية، بل بوصفه ضمانة ضد الوحدة المفروضة بالقوة. فالوحدة المستدامة تنشأ من الحرية والاعتراف المتبادل، لا من إنكار الحقوق باسم الحفاظ على الدولة.

وتقتضي إعادة التأسيس أيضاً مراجعة العقيدة العسكرية، والتمثيل القومي داخل القوات النظامية، وسلاسل القيادة، والرقابة المدنية، والمساءلة عن الانتهاكات. فلا يكفي إصلاح بعض هياكل المؤسسة العسكرية أو دمج القوات المتعددة داخل بنيتها الموروثة، ما لم تتغير عقيدتها، ووظيفتها وعلاقتها بالمواطنين والدستور.

ولا تمنح هذه الرؤية أي حركة سياسية حصانة من النقد أو المساءلة؛ فمشروعية مشروع التحرر الثوري تُختبر أيضاً بمدى التزام القوى التي تتبناه بحقوق المدنيين والحريات والمشاركة الديمقراطية.

إن الفرق الجوهري أن السودان الجديد يضع تغيير طبيعة الدولة قبل التنافس على إدارتها، بينما يظل سجال الخطيب والدقير مشغولاً، في المقام الأول، بشروط التحالف السياسي ووسائل الوصول إلى السلطة… ثم تدورير مايؤدي الي الحروب!

 

خاتمة: أزمة النخب أم أزمة الدولة؟

إن السجال بين الخطيب والدقير، على الرغم من اختلاف مرجعياتهما الماركسية والليبرالية، يكشف استمرار التفكير السياسي المركزي الذي لم يستوعب بصورة كافية التحولات التي صنعتها حروب الهامش وثوراته بعد وهو أمر مؤسف.

فالتحليل الطبقي لا يكفي إذا تجاهل الاضطهاد القومي والديني، والتوافق الليبرالي لا يصنع ديمقراطية إذا أبقى الحقوق الأساسية رهينة لمساومات النخب. كما أن التنظيم الجماهيري أو الاعتراف الدولي لا يستطيع، بمفرده، مواجهة مؤسسات الاستبداد والتعبئة الإقصائية ما لم يقترن بمشروع لتفكيكها وإعادة تأسيسها.

لقد حذر فانون من أن الاستقلال قد ينتهي إلى مجرد انتقال للسلطة بين النخب، بينما تبقى علاقات الهيمنة على حالها. وهذه هي المعضلة التي ينبغي أن تواجهها الأحزاب السودانية، يساراً ويميناً ووسطاً.

ويعيدنا ذلك إلى كارل ماركس نفسه، الذي ربط قيمة الفكر النقدي بقدرته على تغيير الواقع، لا الاكتفاء بتفسيره. فالمعيار الحقيقي لأي مشروع سياسي ليس اتساق شعاراته مع النظرية التي يتبناها، بل قدرته على معالجة العلاقات التاريخية التي تنتج الظلم.

فشعوب الهامش لم تخض نضالاتها الطويلة كي تستبدل نخبة مركزية بأخرى، أو كي تصبح مطالبها بنداً مؤجلاً في تسوية جديدة. إنها تطالب بتغيير الشروط التي جعلت المواطنة امتيازاً لبعض السودانيين وحقاً منقوصاً لآخرين.

ولن تنجح أي محاولة لإعادة إنتاج الدولة القديمة، مهما اتسعت جبهتها أو تعددت رعاياتها الخارجية، في تحقيق سلام مستدام ما دامت أسباب الظلم قائمة. فالسلام الذي لا يعالج جذور الحرب يترك الباب مفتوحاً أمام تجددها.

وهنا يبرز تمييز يوهان غالتونغ بين السلام السلبي، الذي يعني توقف العنف المباشر، والسلام الإيجابي، الذي يتطلب معالجة العنف البنيوي وأسباب الإقصاء. فوقف إطلاق النار ضرورة إنسانية عاجلة، لكنه لا يصبح سلاماً مستداماً ما لم يصاحبه تغيير في علاقات السلطة والحقوق والموارد.

إن السودان لا يحتاج إلى ماركسية تختزل تناقضاته التاريخية في الصراع الطبقي وتتجاهل الاضطهاد القومي والثقافي والديني، ولا إلى ليبرالية تعيد إنتاج هيمنة النخب المركزية تحت شعارات الديمقراطية والتوافق السياسي. بل يحتاج، مع الاستفادة النقدية من مجمل ما راكمته التجربة الإنسانية من فكر ومعرفة ونضالات تحررية، إلى مشروع ثوري تحرري تأسيسي ينطلق من الواقع السوداني وتناقضاته التاريخية، ويعيد بناء الدولة على أسس حقوق الإنسان، والعلمانية، والمواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، ويعترف بشعوب الهامش لا بوصفها أطرافاً تُستدعى إلى تسويات النخب، بل قوى أصيلة وشريكة على قدم المساواة في تأسيس الدولة وتقرير مستقبله.

.فالقضية لم تعد من يملك الحق في حكم السودان القديم، بل كيف ننهي الشروط التي جعلت ذلك السودان عاجزاً عن أن يكون وطناً متساوياً لجميع مواطنيه.

 

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!