
مهدي عبدالله حامد
إنَّ التاريخ السُّوداني في صيرورته المعاصرة لم يكن إلا صراعًا مريرًا بين إرادة شعب يتوق للإنعتاق، ونخبة سياسية أدمنت القفز فوق تضحيات الضحايا، وكما إنَّ الوعي السياسي لا يُقاس بحجم التعهدات المالية، وانما بمدى صيانة كرامة الشعوب وحماية تضحياتها من العبث، وفي ظل هكذا أوضاع يطل علينا “مؤتمر برلين تحت دعاوي الإنسانية” لا كمنصة لإنقاذ الإنسان السوداني، بل كمنزلق تاريخي يُعيد إنتاج الأزمة بتفاصيلها القميئة، في اطار محاولة بائسة لاستثمار المعاناة الإنسانية وتمرير أجندة سياسية تُعيد “تدوير نفايات” النظام البائد في سعي يائس لمنح الشرعية لمن لفظهم الشعب في ثورة ديسمبر المجيدة، وبهذا الخلل فأن برلين ليست مجرد خطأ دبلوماسي فحسب، بل هي جريمة سياسية مكتملة الأركان وخطيئة أخلاقية تُنذر بوأد المستقبل قبل ولادته.
وفي ظل هذه هكذا تعقيدات تتجلى معالم “الخديعة” في حشد كيانات مصنفة دوليا بالإرهاب وإغراق هذه الفعالية بشخصيات سياسية محسوبة على حقبة النظام البائد أو من يدور في فلكهم، من أجل تسويقهم للعالم كـ “بدائل مدنية” ضمن محاولة “تجميل” وجوه الأزمة القديمة وتحويلهم إلى وسطاء إنسانيين، وبكل الأحوال تعد هذه العملية إهانة صريحة لضحايا الحروب في السودان، ونهج صريح يكرس لمبدأ “الإفلات من العقاب” ويجعل من المنصات الدولية “مغسلة” للجرائم السياسية والتاريخية.
فلقد تجاوز مؤتمر برلين الأعراف الدولية وقام باستبعاد أصحاب الوجع المعبرون عن ضحايا “هولوكوست” السودان وتجاهل قطاعات واسعة من القوى الثورية الحقيقية وأهم أطراف الصراع من المسيطرين على الأرض فعليا، لفرض الحلول المعلبة من الخارج وتحديد “من يتحدث باسم السودانيين” من وراء البحار، لهو أمر يعكس روح “الوصاية” التي ترفضها القوى الحية، وكما إن الاكتفاء بدعوة “تحالفات مصطنعة من التنظيمات المجهرية وإغراق القاعات بفلول النظام” يفرغ الجهد الإنساني من محتواه ويجعله جسراً لعودة شمولية جديدة بملابس مدنية مستعارة، وبالمقابل هذه الخطوة سوف تعقد الأمور على الأرض عسكريا وانسانيا.
لان المواقف الرافضة
تمثل ثقل التنظيمات الثورية والكيانات الفكرية السودانية الحازمة في رفضها لهذا “المسرح العبثي” فالموقف الشعبي يرى أن أي مؤتمر لا يضع “المحاسبة” و”اجتثاث الفلول” و”احترام السيادة” كركائز أساسية، هو مؤتمر يهدف لإطالة أمد الحرب وتثبيت أقدام القتلة الأمر الذي يؤكد أن الوعي السوداني بات عصيا على التضليل، وأن دماء الشهداء لا تُباع في أسواق التعهدات الدولية.
وكما ان مؤتمر برلين الإنساني سيظل نقطة سوداء في سجل التدافع الدولي حول السودان ما لم يصحح مساره الكارثي لان السودان لا يحتاج إلى “إعادة تدوير للنفايات” السياسية، بل يحتاج إلى عدالة انتقالية، ووقف لإطلاق النار يحرسه الشرفاء، وسيادة وطنية لا تُنتهك، وإن التاريخ لا يرحم المتواطئين، والشعوب لا تغفر لمن يتاجر بآلامها، فإما منصات تدعم إرادة الشعوب الحرة، أو أن برلين لن تكون سوى “مقبرة” أخرى للوعود الزائفة، وليعلم العالم أن السودان لن يعود إلى الوراء، وأن وجوه الأزمة ستبقى “نفايات” مهما بلغت محاولات تدويرها وتجميلها.




