
أبو عبدالله الراشدي
خطاب محمد حمدان دقلو (حميدتي) الأخير لم يكن مجرد بيان عادي وسط زخم الأحداث السياسية والعسكرية في السودان، بل كان تصريحًا استثنائيًا يجمع بين الجرأة في الطرح والوضوح في الرؤية. في زمن تمتلئ فيه الساحة السياسية بالتصريحات العامة والشعارات الفضفاضة، برز حميدتي كقائد يقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله، ويضع الحقائق أمام الداخل والخارج بلا مواربة أو تجميل.
ما يميز حميدتي ليس قوة موقفه العسكري فحسب، بل اتساق القول مع الفعل. فهو من القادة القلائل الذين يربطون كلماتهم بالتجربة الواقعية، ووعودهم بالإنجازات الملموسة. ففي خطابه الأخير، لم يكتفِ بتصوير الواقع، بل كشف عن جذور الأزمة السياسية في البلاد، محددًا خصومه وأعداء الشعب بوضوح، ومبرزًا أن المعركة ليست بين الأطراف المسلحة فحسب، بل بين مشاريع متضاربة: مشروع يسعى لإعادة بناء دولة عادلة ومؤسساتية، وآخر يحاول إعادة إنتاج هيمنة الإسلام السياسي والأنظمة القديمة.
وفي لحظة تاريخية في خطاباته، دعا حميدتي إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للنظر في كل الانتهاكات والمجازر التي وقعت قبل وبعد الخامس عشر من أبريل، بما في ذلك جرائم التطهير العرقي واستهداف المدنيين. هذه الدعوة لم تكن مجرّد تكرار لشعارات العدالة، بل إعلان التزام حقيقي بالمساءلة وشفافية التحقيق، مؤكدًا أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على حماية الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
كما لم يتردد في توجيه تحذيرات واضحة إلى أي طرف خارجي يتدخل في الشأن السوداني، مستخدمًا لغة قوية تُظهر أن أي اعتداء على السيادة أو المدنيين سيقابَل بالرد المناسب. في الوقت نفسه، حافظ على توازن الخطاب حين أكد أن قواته لا تستهدف المواطنين الأبرياء، وأن الرد موجّه فقط نحو “الخصوم”، وهو ما يبرز فهمه العميق للفصل بين القوة الأخلاقية والقوة العسكرية.
اللافت أيضًا أن خطابه حمل إشارات مدنية واضحة، حين دعا إلى حكومة تأسيس تضع المواطن في صدارة الاهتمام، وتعمل على توفير الأمن والتعليم والصحة، مؤكدًا أن الشرعية الحقيقية تنبع من خدمة الشعب لا الهيمنة عليه. بهذا، تجاوز خطاب حميدتي التعبئة العسكرية التقليدية، وطرح رؤية شاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والمساءلة والشفافية.
في جوهر خطابه الأخير، يظهر قائد يمتلك الشجاعة لمواجهة الحقيقة والقدرة على المبادرة، قائد لا يخشى القول بما يراه صوابًا، ولا يكتفي بالتصريحات الرمزية، بل يسعى للفعل الملموس. هذه الجرأة في الطرح، والثقة في القوة، والانسجام بين القول والفعل، تجعل من حميدتي شخصية سياسية فريدة في المشهد السوداني، قادر على إعادة صياغة الدور القيادي في لحظة حرجة من تاريخ البلاد، وتقديم نموذج للزعامة التي لا تهادن الواقع ولا تخاف مواجهة التحديات.
في النهاية، خطاب حميدتي ليس مجرد خطاب عسكري أو سياسي، بل إعلان قيادة تتجاوز الخوف والمواربة لتضع الحقيقة والعدالة في قلب السلطة، صوت يعلو فوق الركام، يرسم معالم مرحلة جديدة، ويؤكد أن قوة القائد لا تقاس بالسلاح وحده، بل بالشجاعة لمواجهة الواقع وطرح الحلول التي لا يجرؤ الآخرون على طرحها.




