فِي صَبِيحَةِ الْخَامِسِ عَشَرَ مِنْ أَبْرِيلَ، نَهَضَ دَقْلُو كَمَا يَنْهَضُ طَائِرُ الْفِينِيقِ مِنْ رَمَادِهِ
دكتور خالد عبيد ،، لندن

خالد عبيد
في الخامس عشر من أبريل 2023،
كان الزمن يمشي على أطرافه في الخرطوم،
وكان محمد حمدان دقلو واقفًا كما تقف الأشجار القديمة حين تعصف بها الريح:
لا تلتفت كثيرًا، ولا تميل إلا بقدر ما يلزم للبقاء.
لم يكن هناك وقت لإسعاف جريح،
ولا فسحة للالتفاف عائدين بحثًا عن رفاقٍ أُطبق عليهم الحصار.
الأشياء كانت تحدث دفعةً واحدة،
والقرار — حينها — لا يُؤجَّل.
وقف، وإلى جانبه القائد العظيم،
ثُلّة من الأخيار،
رجالٌ لم يأتوا ليمتحنوا شجاعتهم، بل ليمارسوها.
ومنذ تلك اللحظة، صار واضحًا أن
من وقف، فقد اختار الوقوف،
ومن جفل، فقد غادر المشهد إلى الأبد.
كانت سماء الخرطوم داكنة،
لا لأن الليل حلّ، بل لأن الدخان سبق الغروب.
الهواء مشبع برائحة الدم،
وبرائحة لحمٍ احترق قبل أن يعرف صاحبه أنه سيحترق،
وبرائحة البارود التي لا تُنسى،
حتى بعد أن يصمت كل شيء.
أزيز الطائرات كان يعلو ثم يختفي،
زخّات الرصاص تمرّ كأمطارٍ لا تُنبت سوى الخوف،
ودويّ المدافع يجعل الأرض تتذكر أنها ليست ثابتة كما نظن.
بحسابات دويلة 56،
وباستعدادها المبكر لهذه الحرب،
كانت فرصة نجاح القائد حميدتي تساوي صفرًا في المئة.
لكن الصفر، في ميادين كهذه،
ليس رقمًا،
بل تحديًا.
ولعمري،
أن يتحول الصفر إلى احتمال،
ثم إلى نسبة،
هو التعريف الأكثر بساطة للبطولة.
كان القائد حميدتي يعرف دويلة 56،
لا من الكتب،
ولا من التقارير،
بل من التجربة المباشرة،
من الاحتكاك،
ومن الندوب التي لا تُرى.
أخذ نفسًا عميقًا،
كمن يجمع نفسه من حوله،
ونفض عن كتفيه غبار المدافع
ورماد قصف الطيران.
لم ينهض صائحًا،
بل نهض كما ينهض طائر الفينيق:
بصمتٍ،
وبذاكرةٍ مليئة بالنار.
استعاد رباطة جأشه،
رتّب صفوف جنده،
وأعاد للأشياء أسماءها الصحيحة،
ثم قهر دويلة 56،
وفعل ما لم يفعله جونق قرنق
ولا حركات الكفاح مجتمعة خلال ثلاثين عامًا.
فالحرب ليست خطًا مستقيمًا،
إنها فعلٌ متحوّل،
ديناميكي،
يتغير مع كل خطوة.
وعند ود حمدان،
كان الحل هو اليقين.
كان الإيمان بأشاوِسِه الجسورين كاملًا،
وكانت الثقة بقائد القرن العظيم ود حمدان
ليست شعارًا،
بل نتيجة.
الحرب التي يخوضها الاشاوس هي حرب وجود نعم حرب وجوديه
لم تُقدَّم باعتبارها خيارًا،
بل باعتبارها ضرورة،
مقدسة وحتمية،
وطريق المجد — وإن طال — واضح المعالم.
وهكذا يردد لسان حال الأشاوس:
نأتي من كل فجٍّ عميق،
لا دفعةً واحدة،
بل كما يأتي السيل،
وكما تتراكم الأنواء،
وكما تتشكل الأعاصير
حين لا يعود للهواء متسع.
سلامٌ عليكم،
يا ملح الأرض،
ويا قيامة الأشرار.




