رأي

السودان بين العسكر والسياسة: صراع السلطة وثمن الهامش

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

في كثير من دول العالم، تتحول الخلافات السياسية حين تفشل أدوات الحوار والعقل إلى صراعات تُحسم بالقوة. عندها، تميل النخب السياسية إلى استدعاء الأذرع العسكرية، لينتقل الصراع من تنافس مدني مشروع إلى معركة مفتوحة على السلطة.

في السودان، تبدو هذه المعادلة أكثر وضوحًا وتعقيدًا. فمنذ استقلال السودان 1956، ظل الحكم في كثير من مراحله أقرب إلى “غنيمة سياسية” تُنتزع عبر التدخل العسكري، لا ثمرةً لمسار ديمقراطي مستقر.

وقد أعاد اندلاع الحرب في السودان 2023 طرح سؤال جوهري ظل حاضرًا في الوعي العام: من يدير المشهد فعليًا السياسيون أم العسكريون؟ وهل المؤسسة العسكرية أداة بيد القوى السياسية، أم فاعل مستقل يسعى إلى ترسيخ نفوذه في الحكم؟

تشير الوقائع إلى علاقة معقدة ومتشابكة بين الطرفين، حيث تتقاطع مصالح مكونات داخل المؤسسة العسكرية مع بعض النخب السياسية، إلى جانب شبكات اقتصادية “الرأسمالية الطفيلية”. وينتج عن هذا التشابك تحالف غير معلن هدفه الحفاظ على السلطة وإعادة إنتاجها، غالبًا على حساب قطاعات واسعة من السودانيين، بما في ذلك أصحاب الكفاءة والمؤهلات الذين يجدون أنفسهم خارج دوائر التأثير.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز “الهامش” السوداني بوصفه الخاسر الأكبر. فقد تحولت مناطق مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق إلى ساحات رئيسية للنزاعات المسلحة، بينما ظل أبناؤها وقودًا لحروب متكررة منذ الاستقلال، دون أن يقابل ذلك تنمية عادلة أو تمثيل سياسي منصف.

إن بناء دولة تقوم على سيادة القانون والمواطنة يقتضي إعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، بحيث تنحصر مهمة الجيش في حماية الوطن، لا إدارة شؤونه. كما يتطلب ترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة في مختلف مراحل العملية السياسية، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان تمثيل حقيقي يعكس التنوع السوداني.

ولا يمكن تحقيق ذلك دون ترسيخ ثقافة ديمقراطية ، وإرساء ثقافة السلام والأمن والاستقرار والديمقراطية الراسخة تقوم على التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، لا عبر فوهات البنادق، مع احترام نتائجها والعمل على تطويرها.

يبقى الأمل معقودًا على قدرة السودانيين، بمختلف مكوناتهم، على تجاوز إرث الصراعات، والانخراط في مشروع وطني جامع يؤسس لدولة عادلة تسع الجميع، وتحقق تطلعاتهم في الحرية والسلام والعدالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!