
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
المذكرة الصادرة من سفارة السودان في برلين تبدو في ظاهرها خطاباً دبلوماسياً احتجاجياً، لكنها في جوهرها تعكس قلقاً حقيقياً من تحوّل هادئ في طريقة النظر إلى السودان: من دولة تتحدث باسمها حكومة، إلى ملف مفتوح للنقاش في المنصات الدولية.
اعتراض الحكومة على عقد مؤتمر حول السودان دون مشاركتها يبدو في ظاهره دفاعاً عن السيادة، لكنه عند التمعّن يكشف سؤالاً أعمق: من يملك حق تمثيل السودان اليوم؟
ففي السياسة الدولية، السيادة لا تُفهم من الخطابات فقط، بل من القدرة الفعلية على السيطرة، ومن حجم الاعتراف الدولي. وعندما تبدأ هذه المعادلة في التغيّر، يتغيّر معها شكل التعامل مع الدولة. لا يعود السؤال: ماذا تقول الحكومة؟ بل: من يتحدث باسم الدولة فعلاً؟
اليوم، بعض الفاعلين الدوليين، بما في ذلك الأمم المتحدة، لا يتعاملون مع الحكومة باعتبارها الصوت الوحيد للسودان، بل كطرف ضمن مشهد معقّد ومفتوح. وهذا يتضح في ترتيبات ومؤتمرات تُعقد دون إشراكها المباشر.
وفي المقابل، لا تنفصل الحكومة نفسها عن هذا المشهد الدولي؛ فهي تخاطب مجلس الأمن الدولي وتقدّم مبادرات ضمن أطر دولية. لكنها تعترض هنا ليس على وجود التدخل الدولي، بل على تجاوز دورها هي.
هنا يصبح الحديث عن السيادة أقرب إلى موقف دفاعي، أكثر منه مبدأ ثابت.
ولعل اختيار برلين لعقد هذا المؤتمر لم يأتِ من فراغ. فهذه المدينة تحمل إرث مؤتمر برلين 1884–1885، حين قُسّمت أفريقيا دون مشاركة أهلها. ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الذاكرة تُستثمر كلما عاد النقاش حول أفريقيا وحدودها ومن يتحدث باسمها، لتتحول من حدث تاريخي إلى رمز حاضر في النقاش السياسي.
ومن هذا الباب، لا يبدو الاعتراض مجرد رفض للإقصاء، بل محاولة لفهم—أو وقف—فكرة تتوسع تدريجياً: أن إدارة الملف السوداني قد لا تبقى محصورة داخل الدولة فقط، بل تمتد إلى مساحات خارجية تشارك فيها أطراف متعددة.
وهنا يظهر جوهر التوتر الحقيقي: استخدام خطاب السيادة ليس فقط للدفاع عن موقف قانوني، بل أيضاً لتأكيد الحضور السياسي ومنع أي ترتيبات قد تعيد تشكيل المشهد من خارج الإطار الرسمي.
في العمق، القضية ليست مؤتمر برلين وحده، بل سؤال أكبر: من يملك حق تعريف السودان وتمثيله في هذه اللحظة؟
ومع تعقّد المشهد، يصبح هذا السؤال مفتوحاً أكثر من أي وقت مضى.



