
نجوى بابو
في السودان، لا يُعدّ الصبر مجرد سلوك عابر، بل هو سمة متجذّرة في وجدان المجتمع، تشكّلت عبر قرون من التعايش مع التحديات الطبيعية والسياسية والاقتصادية. فقد أثبت السودانيون، في أكثر من محطة تاريخية، قدرتهم على التحمل والتكيّف، محافظين على نسيج اجتماعي متماسك رغم الأزمات المتلاحقة.
هذا الصبر لم يكن يومًا علامة ضعف، بل كان أداة للبقاء ووسيلة لتفادي الانهيار الكامل في ظل ظروف معقدة. وقد تجلّى ذلك بوضوح في محطات مفصلية مثل ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، وصولًا إلى الثورة السودانية 2018–2019، حيث تحوّل الصبر من حالة انتظار إلى فعل جماعي منظّم استطاع أن يغيّر مجرى التاريخ.
وفي الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، يواجه هذا الصبر اختبارًا هو الأقسى. فالمجتمعات التي تعرّضت للاستهداف، وفقدت أبناءها، ورُملت نساؤها، لا تزال متمسكة بخيط الأمل، حريصة على اغتنام أي فرصة للسلام، ومتشبثة بوحدة الوطن، رغم تعقيدات المشهد وتعنّت بعض الأطراف.
غير أن هذا الصبر، على قوته، يواجه اليوم مهددات حقيقية قد تدفعه إلى التحول من حالة ضبط النفس إلى حالة انفجار.
أول هذه المهددات هو العنف الممنهج الذي طال مجتمعات بعيدة عن مراكز القرار، مجتمعات لم تكن طرفًا في الصراع، ولا تعرف عن تعقيدات السلطة سوى ما يصلها من أعباء الضرائب أو الخدمات المحدودة. هذا العنف لا يخلّف خسائر بشرية فقط، بل يولّد شعورًا عميقًا بالظلم والقطيعة مع الدولة.
كما يُعدّ حرمان بعض المجتمعات من الوصول إلى المساعدات الإنسانية، ومن حق أبنائها في الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية,هدم وتدمير المراكز الصحية والحرمان من أبسط مقومات الحياة، عاملًا بالغ الخطورة في استنزاف قدرة الناس على التحمل. ويزداد الأمر تعقيدًا في مناطق اللجوء والنزوح، حيث تتفاقم الضغوط الاقتصادية من ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة، ما يراكم الإحباط ويقوّض القدرة على الصبر، خاصة حين تمسّ هذه الأزمات أساسيات الحياة اليومية.
أما استمرار النزاعات المسلحة، فلا يخلّف دمارًا ماديًا فحسب، بل يزرع الشكوك ويمزّق الثقة بين مكونات المجتمع. ومع طول أمد الصراع، تتآكل مساحات التعايش، ويصبح الاحتقان أكثر قابلية للانفجار.
ويزيد من تعقيد المشهد غياب الأفق السياسي، حيث يشعر المواطن بأن الأزمات تتكرر دون حلول جذرية، وأن المستقبل يفتقر إلى أي ملامح واضحة. في مثل هذا السياق، يتحول الصبر من فضيلة إلى عبء نفسي ثقيل.
ولا يمكن إغفال التآكل التدريجي للنسيج الاجتماعي؛ فرغم قوة الروابط التقليدية في السودان، إلا أن الضغوط المستمرة، إلى جانب تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب، قد تؤدي إلى تصدعات داخل المجتمع نفسه.
وأخيرًا، فإن فقدان الثقة في المؤسسات يشكّل تهديدًا بالغ الخطورة، إذ تُعدّ الثقة ركيزة أساسية للاستقرار. وعندما تتراجع، يفقد المواطن الإحساس بالأمان، ويصبح أكثر ميلًا إلى رفض الواقع بشكل حاد.
في المحصلة، يظل صبر السودانيين عنصر قوة استثنائي حافظ على بقاء المجتمع في أحلك الظروف، لكنه ليس موردًا لا ينضب. فالتاريخ يُظهر أن هذا الصبر، حين يبلغ حدوده، يتحول إلى طاقة تغيير جارفة، قد تفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، من بينها تصاعد النزعات الانفصالية أو البحث عن كيانات بديلة توفّر الحماية والحياة الكريمة.
إن الحفاظ على هذا التوازن الدقيق لا يمكن أن يتحقق بالاعتماد على الصبر وحده، بل يتطلب إصلاحًا حقيقيًا، وعدالة ملموسة، وفتح آفاق للأمل. فبدون ذلك، لن يبقى الصبر خيارًا طويل الأمد، بل سيتحول إلى نقطة تحوّل يصعب التنبؤ بمآلاتها.
وفي بلدٍ كالسودان، حيث يختلط الألم بالأمل، يظل السؤال قائمًا: إلى متى يظل الصبر ممكنًا، ومتى يصبح التغيير حتميًا؟




