رأي

حين تُزيَّن الخشبة بصور السلطة… هل يبقى للمسرح ضمير؟

سمية النور دهب

سمية النور دهب 

الفن الذي يصفّق للقوة يفقد قدرته على مساءلتها

ظهر المسرحي محمد عبد الله في مقطع فيديو متداول، وخلفه صورٌ لقائد عسكري وعدد من الضباط، وهو يقدّم عملاً مسرحياً بدا—بحسب ما رآه كثيرون—قريباً من خطاب تمجيد السلطة. لم يكن المشهد عابراً، بل أثار دهشةً واستياءً لدى قطاعات واسعة من السودانيين الذين يتابعون بحساسية عالية أي تقاطع بين الإبداع وخطاب القوة، خصوصاً في ظل سياق سياسي معقّد وتاريخ حديث مثقل بالانقسامات.

هذا الجدل لا ينفصل عن ذاكرة قريبة تعود إلى أحداث ثورة ديسمبر السودانية، وما تلاها من تحولات حادة، أبرزها انقلاب 25 أكتوبر 2021 في السودان. في مثل هذه اللحظات، تصبح الخشبة أكثر من فضاء جمالي؛ تتحول إلى ساحة اختبار أخلاقي: هل تنحاز للحقيقة المعقّدة أم تختار الطريق الأسهل نحو خطابٍ مُطمئن للسلطة؟

ليست المشكلة في اختلاف الآراء أو في حق الفنان أن يعبّر عمّا يشاء، بل في طبيعة الدور الذي يضطلع به الفن في أزمنة الأزمات. فالمسرح، تاريخياً، كان صوتاً ناقداً يضيء مناطق الظل، ويمنح الهامش مساحةً للتعبير. وحين يبتعد عن هذا الدور، أو يبدو وكأنه يبدّل أسئلته بعبارات مديح، تتراجع قيمته بوصفه ضميراً جمعياً.

الكثير من التعليقات على الفيديو ذهبت إلى أن مثل هذا الخطاب—إن صُحّ تأويله—يُفهم كتماهٍ مع سلطة يختلف حول شرعيتها جزء معتبر من المجتمع. هذا الانطباع، بحد ذاته، كافٍ لطرح سؤال مؤرق: ماذا يخسر الفن عندما يُقرأ باعتباره امتداداً لخطاب رسمي؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها تبدأ من فقدان الثقة. فالجمهور الذي اعتاد أن يرى في المسرح مساحةً لطرح الأسئلة الصعبة، قد لا يقبل بسهولة عملاً يخفف من حدّة تلك الأسئلة أو يستبدلها بنبرة احتفائية.

في المقابل، كان يمكن للمسرح—وما يزال—أن يقدّم مسارات أكثر اتساعاً: الدعوة إلى السلام، استحضار معاناة الناس، تفكيك خطاب العنف، وفتح نوافذ للحوار. هذه ليست وصفة جاهزة، لكنها بوصلة تُعيد للفن استقلاله دون أن تصادر حرية أصحابه.

إن اللحظة السودانية الراهنة لا تحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى مساحات تعترف بالتعقيد وتُحسن الإصغاء. والمسرح، بما يملكه من قوة رمزية، قادر على أن يكون جزءاً من الحل—إذا حافظ على مسافته النقدية، وتذكّر أن وظيفته الأولى ليست التزيين، بل الكشف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!