
نفيسة حجر
حينما اتصل بي ذاك الصديق وزميل المهنة، الذي درجنا أن نتشارك الرأي في كل صغيرة وكبيرة، كان صوته يحمل أثقال أربعة أعوام من الخيبات والشتات.
وفي لحظة “زهج” ذكوري سوداني حاد، أطلق تساؤله الصادم: “هل المرأة كائن آدمي؟”.
هذا التساؤل ليس مجرد “فضفضة” عابرة، بل هو انعكاس لـ “صدمة الأدوار” العنيفة التي أحدثتها الحرب. فقبل هذا الخراب، كان حال صديقي كحال السواد الأعظم من الرجال السودانيين خيث يعيش في دور “الموفر” يخرج لتأمين المال، بينما تتحمل المرأة وحدها عبء التربية وتفاصيل المنزل المرهقة. كانت هناك قاعدة غير مكتوبة في البيوت السودانية: الأبناء لا يلجؤون للأب مباشرة، بل هي “الأم” التي تمثل الجدار العازل والصدر الرحب الذي يمتص سيل الطلبات والشكاوى قبل أن تصل لمسامع “السيد الوالد”.
لكن الحرب في عامها الرابع نسفت تلك القواعد؛ انهارت الجدران العازلة، ووجد الرجل نفسه فجأة في مواجهة مباشرة مع مطالب الأبناء وضغوط العيش اليومية في دهاليز النزوح واللجوء.
وجد نفسه عارياً أمام احتياجات لا تملك “الأم” اليوم ترف تنفيذها أو تأجيلها كما كانت تفعل سابقاً. ومن هنا نبع “زهجه” وشكّه فهو يريدها أن تظل “ساحرة” تمارس دورها القديم في امتصاص الصدمات، يريدها أن تصنع “شربات” الطمأنينة من “فسيخ” الواقع المالح، وحين عجزت، شكك في آدميتها ليهرب من وطأة مواجهته المباشرة مع واقعٍ لم يعتد تحمل تفاصيله.
إن استطالة أمد الحرب استنزفت الموارد والنفسيات، والمرأة في خضم هذا الشتات تتحمل مسؤوليات جساماً فهي الأم، والأخت، والزوجة، وهي “وزيرة مالية” العوز. إنها كائن حي آدمي، يحس ويشعر ويتألم، لكنها تتحمل فوق طاقتها للحفاظ على “مملكتها” من الانهيار، بعكس الكثير من الرجال الذين آثروا التهرب من المسؤولية.
يا صديقي، أنت برغم إحباطك أفضل من كثيرين، لأنك ما زلت في الميدان، صامداً برغم “الزهج”، ولم تتخلَّ عن واجباتك وتهرب تاركاً خلفك أطفالك “الزغب” الصغار بلا سند أو كفيل سوى هذه المرأة التي تشك في بشريتها!
يا صديقي، ونحن الذين لم تخفَ علينا خافية في نقاشاتنا، إن معاناتك حقيقية، وصدمتك في تغير خارطة الأدوار مقدرة، لكن الحل لا يكمن في التشكيك بآدمية من تقاسمك الخندق، بل في تكريمها.
والتكريم هنا هو “التفهم” أن تقبل بشريتها، وتعبها، وأن تدرك أن زمن “الجدران العازلة” قد ولى بغير رجعة، وأننا اليوم نحتاج لكتفٍ بكتف لكي نعبر.
آخر قولي:
بدلاً من انتظار “شربات” المستحيل من المرأة، لنحاول أن نكون نحن السند الذي يعينها على احتمال مرارة واقعنا وقسوة هذا العيش. إن “طول البال” في هذا الوقت الاستثنائي ليس مجرد نصيحة عابرة، بل هو ميثاق أخلاقي وضرورة حتمية لتماسك بيوتنا.
المرأة السودانية اليوم هي “عمود الخيمة” الحقيقي، فهي بطلة لأن الواقع لم يترك لها خياراً آخر فلنستعد آدميتنا بالرفق بهنّ، وبالاعتراف بأننا معاً في هذا المخاض العسير إما ننجو معاً بتقديرنا لبعضنا، أو يبتلعنا الإحباط فرادى.




