
عبدالرحمن أبو رندة.. بنسلفانيا
هل يمكن لأمة أن تتقدم نحو العدالة وهي تبني حاضرها على ذاكرة مشوّهة؟ وكيف يمكن لشعب يحلم بوطن آمن وعادل أن ينهض بينما تحرس النخب نافذة إرثاً قديماً من التفوق الوهمي، محوّلة إياه إلى شرعية سياسية وأخلاقية؟ “من لا يملك شجاعة مواجهة ماضيه، لن يملك أبدًا القدرة على صناعة مستقبله”، وهكذا نجد السودان في لحظة تاريخية حرجة، على مفترق طرق: إمّا مواجهة صريحة مع ماضيه المظلم، أو الاستمرار في تجميله ليصبح عائقاً دائماً أمام بناء المستقبل.
لم يُكتب تاريخ السودان من منظور الضحايا، ولا من موقع أولئك الذين حملوا أحلام الحرية على أكتافهم، بل تشكّل عبر روايات النخب التي احتكرت السلطة والمال والرمزية. “التاريخ يُكتب مرتين: مرة كما حدث، ومرة كما أراد الأقوياء له أن يُروى”. هذه النخب، عبر عقود، أعادت صياغة الماضي بما يخدم استمرار امتيازاتها، وحوّلت أفعال القسوة إلى بطولات، وظلام التاريخ إلى مجد قومي. وهكذا نشأت ذاكرة وطنية تُضخّم أدوار المسيطرين وتُسكت أصوات المقهورين، في عملية منظمة لطمس الحقيقة وإعادة إنتاج الطبقية الاجتماعية والعرقية.
إن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو مؤسسة تحدد من يستحق البطولة ومن يُدفن في الهامش. اختارت النخب أن ترفع المتسلطين إلى مقام “الرموز الوطنية”، بينما تُبقي ضحايا الظلم بلا اسم ولا ذكر. هذا التزييف المتعمد لا يشوّه الماضي فقط، بل يخلق حاضرًا هشًا يفترس فيه الامتياز التاريخي حقوق الجميع. “ما من ظلم أعظم من ظلم يُقدَّم للناس في ثوب الفضيلة”، وهذه الكلمات تلخص كيف يمكن للتاريخ المزيف أن يصبح أداة احتكار القوة والهيمنة على المجتمع.
المشكلة لا تكمن في الماضي ذاته، بل في الإصرار على استخدامه كأداة للهيمنة في الحاضر. فبدل الاعتراف بأن ذلك الإرث كان جريمة أخلاقية، يتم تحويله اليوم إلى رأسمال اجتماعي يتيح لبعض الفئات الحفاظ على موقعها الطبقي والسياسي. وهكذا يتجدد التفوق الوهمي بأقنعة جديدة: مرة باسم الدين، ومرة باسم الثقافة، ومرة باسم الوطنية. إن مقاومة هذه النخب لأي مشروع للمواطنة المتساوية ليست مجرد خلاف فكري، بل امتداد مباشر لإصرارها القديم على احتكار السلطة. فالمساواة تعني إسقاط الامتيازات، والعلمانية تعني نهاية احتكار التفسير الأخلاقي للدولة، والعدالة التاريخية تعني مساءلة ما تعتبره النخب “مقدسًا”. لذلك تصبح معارضة التغيير دفاعًا عن ذاكرة زائفة، لا أكثر.
في المجتمعات التي لم تواجه ماضيها، يتحوّل العنف إلى وسيلة لإثبات الهيبة، وتصبح القسوة رمزًا للرجولة، بينما تُعتبر العدالة ضعفًا. “حين يُفاخر الظالم بفعله، فاعلم أن المجتمع كله مريض بالذاكرة”، وهذه الحقيقة تكشف كيف تحوّلت مظالم الماضي إلى مصدر فخر لدى بعض الفئات، وكيف أصبح التفاخر بإذلال الضحية جزءًا من بنية الهوية الاجتماعية. إنها عقلية ترى السيطرة امتيازًا طبيعيًا، وتعتبر التراتبية قدرًا أبديًا. ولكن التجارب الإنسانية تُظهر أن الأمم لا تنهض إلا حين تُحاكم هذه الذهنية. فمواجهة الماضي ليست انتقامًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. بدون الاعتراف بالضحايا، لا يمكن بناء مجتمع يتساوى فيه الناس في الكرامة والحقوق.
في كل مكان، لم يكن صانعو التغيير هم أسياد القوة، بل المهمشون الذين رفضوا الاستسلام لصمت التاريخ. “الحرية تبدأ حين يرفض الهامش أن يكون هامشًا”، وهذه المقولة تلخص كيف أن التغيير الحقيقي ينبع من الفئات التي لم تُمنح صوتًا ولم تُرفع أسماءها. هؤلاء هم الذين حملوا راية الكرامة حين صمتت النخب، وهم الذين كتبوا بدمائهم صفحات الحرية حين اختار الآخرون التفوق على أكتاف المستضعفين. السودان ليس استثناءً؛ فالحركات التي قاومت الظلم، في الهامش كما في المركز، لم تُرفع أسماء قادتها إلى الساحات، ولم تُدرّس قصصهم في المناهج. لأن الاعتراف بهم يعني الاعتراف بأن “الأبطال الرسميين” لم يكونوا سوى جزء من منظومة الاستغلال. لذلك كان من الضروري طمس قصص المقاومة، كي تبقى الذاكرة منحازة إلى الأقوياء.
لا يمكن إصلاح السودان بلا مراجعة جذرية لتاريخه الرسمي. المطلوب ليس جلد الذات، بل مواجهة شجاعة ترد الاعتبار للضحايا، وتضع رموز القبح الأخلاقي في مكانهم الطبيعي، لا في ساحات التكريم. “الأمم لا تشفى بالزمن، بل بالاعتراف”، وإعادة تسمية الشوارع، وإعادة كتابة المناهج، وإزالة الرموز التي تمجّد القهر، وإعادة الاعتبار للمهمشين، كلها خطوات ضرورية لإنهاء إرث التراتبية الموروثة.
الوطن لا يُبنى فوق الرمال المتحركة لامتيازات الماضي. لن يولد سودان عادل ما لم تُفكك الأساطير التي تُشرعن التفوق، وما لم يصبح الحق في الكرامة معيارًا واحدًا لا يتعدد بتعدد الأنساب والطبقات. “لا تُبنى الأوطان على أنقاض الحقيقة، بل على مصالحتها”. المعركة اليوم ليست بين أطراف سياسية، بل بين ذاكرة تريد التحرر وذاكرة تريد إعادة إنتاج القيد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الوجودي مفتوحًا: هل نملك الشجاعة لكتابة تاريخ يعترف بالضحايا، بدل تاريخ يقدّس جلاديهم؟ “من يحاول بناء المستقبل دون أن يحرر الماضي، يبني على سراب”، و”كل أمة تُجاهل ضحاياها تظل محكومة بأوهامها”، و”العدالة التاريخية ليست رفاهية، بل قاعدة لبناء مجتمع متماسك”.
النضال من أجل ذاكرة عادلة هو الخطوة الأولى نحو وطن يستحقه الجميع، ووطن لا يحكمه وهم التفوق، بل الحق والكرامة والإنسانية المشتركة.




