رأي

الاقتصاد السوداني في ظل حربين — السلطة والموارد واستدامة الصراع  الاقتصاد السوداني في ظل حربين السلطة والموارد واستدامة الصراع مجتزأ من ورقة بحثية

عمر سيد احمد

 

عمر سيد احمد

‎باحث في الاقتصاد السوداني 

خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل

 

أبريل ٢٠٢٦

السودان يمتلك أكبر إمكانات زراعية في أفريقيا — لكنه في هذه اللحظة بالذات بات في حاجة ماسة إلى من يُطعمه

في أبريل 2023، اندلعت في الخرطوم حرب لم تُبقِ شيئاً على حاله. انهارت المستشفيات، واحترقت الأسواق، وتحوّلت المدينة التي كانت تحتضن ثلث اقتصاد البلاد إلى ساحة معركة. لكن السودان لم يكتفِ بهذه الصدمة — ففي مطلع 2026، جاءته حرب ثانية من بعيد، حرب لم تُطلق رصاصة واحدة على أراضيه ومع ذلك ألقت بثقلها على كل مواطن وكل مزارع وكل تاجر: إنها توترات مضيق هرمز وحرب الخليج التي أشعلت أسعار الوقود وأطالت خطوط الإمداد وأرهقت فاتورة الاستيراد.

بين هاتين الحربين، يجد السودان نفسه في موقع استثنائي من الهشاشة: يدفع كامل تبعات الأزمة الإقليمية دون أن يجني حبة واحدة من ارتفاع أسعار النفط. بل الأمر أكثر مفارقة: السودان محاط بأربع دول نفطية على حدوده — ليبيا وتشاد وجنوب السودان والسعودية — لكنه يستورد 80 إلى 90% من احتياجاته من الوقود. هذا ليس قدراً، بل نتيجة قرار سياسي واحد صدر عام 2011: انفصال جنوب السودان الذي أخذ معه 75% من الاحتياطيات النفطية المشتركة، فتحوّل السودان بين ليلة وضحاها من منتج إلى مستورد، دون أن يبني احتياطياً استراتيجياً، ولا طاقة تكريرية بديلة.

قبل الحرب — إمكانات هائلة وجرح مفتوح

كان المشهد قبيل أبريل 2023 يجمع بين نقيضين لا يُريح النظر إليهما معاً. على جهة النعمة: أكثر من 84 مليون هكتار صالح للزراعة، و110 مليون رأس من الثروة الحيوانية، و70% من صادرات الصمغ العربي عالمياً، واحتياطيات ذهبية مؤكدة تبلغ 533 طناً مع احتياطيات أخرى قيد التقييم تتجاوز 1,100 طن. بلد كان يُطعم نفسه وجيرانه، وتجري في أرضه ثروات قد يحسده عليها كثيرون.

وعلى الجهة الأخرى: شمول مالي لا يتجاوز 7% من البالغين — أدنى من معظم دول أفريقيا جنوب الصحراء. اقتصاد يعتمد شبه كلياً على استيراد طاقته دون أي احتياطي استراتيجي. سعر صرف يقف عند 570 جنيهاً للدولار كاشفاً عن هشاشة نقدية مزمنة. والأخطر: منظومة الذهب خارج الدولة بنسبة 70%، ومنظومة النفط مشلولة، والأرض خصبة لكن المزارع لا يجد تمويلاً للموسم. لم تكن تلك هشاشة عارضة — بل كانت قنبلة موقوتة تنتظر الشرارة.

في 2022، كان سعر الدولار 570 جنيهاً. في أبريل 2026 أصبح 4,150 جنيهاً في السوق الموازي. هذا ليس انخفاضاً في قيمة العملة — هذا انهيار نظام.

بعد الحرب — الانهيار الذي لا تحتمله الأرقام

في أقل من ثلاث سنوات، تحوّل اقتصاد هش إلى كارثة موثقة بالأرقام. انكمش الناتج المحلي بنسبة 37.5% في عام 2023 وحده وفق البنك الأفريقي للتنمية — رقم لم تشهده إلا دول تمر بحروب تدميرية شاملة أو كوارث طبيعية كبرى. وبحلول 2025، بلغ الانكماش التراكمي 42%، أي أن الاقتصاد السوداني فقد قرابة نصف حجمه في أقل من ثلاث سنوات.

لكن الأرقام الكلية تبقى باردة إذا لم تُترجم إلى حياة بشرية: 4.6 مليون وظيفة اختفت، والبطالة قفزت من 32% عام 2022 إلى 58% عام 2024. 64% من السودانيين يعيشون اليوم في فقر مدقع — ارتفاعاً من 35% قبل الحرب. 8.8 مليون نازح داخلياً في أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم. أكثر من 25 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد. وأكثر من 150 ألف حالة وفاة مباشرة منذ اندلاع القتال.

السودان يمتلك أكثر من 200 مليون فدان صالح للزراعة، لكن 41% من سكانه يعانون انعدام الأمن الغذائي و64% تحت حد الفقر. هذه ليست أزمة موارد — بل أزمة حوكمة وسلام

وعلى صعيد البنية الاقتصادية، توقف أكثر من 60% من المصانع عن العمل. تراجع قطاع الخدمات بنسبة 43.2% والصناعة أكثر من 50%. انهار القطاع المصرفي إذ خرج 90 إلى 95% من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي، وغادرت أكثر من ستة بنوك أجنبية السوق وعاد بعضها بعد عامين، والتضخم تجاوز 177% وفق صندوق النقد الدولي لعام 2024، في بيئة ركود تضخمي نادرة يجمع بين انكماش الإنتاج وارتفاع الأسعار في آنٍ واحد.

الصدمة الثانية — حين جاءت الحرب من البحر

كانت تلك هي الحال حين فتح عام 2026 على توترات مضيق هرمز. يمر عبر هذا الممر الضيق ما يقارب 21 مليون برميل نفط يومياً — 21% من الاستهلاك العالمي. حين تضطرب سلاسل الإمداد عند هرمز، لا يكون السودان في القائمة الأولى للمتضررين في تصورات المحللين — لكنه في الواقع من أكثر الاقتصادات العالمية هشاشةً أمام هذه الصدمة، وذلك بالضبط لأنه جاء إلى هذه الأزمة منهكاً بالفعل.

أقساط التأمين البحري على ناقلات النفط قفزت من 0.1–0.2% من قيمة السفينة إلى ما بين 0.5% و1% في ذروة الأزمة — ما يعادل إضافة مليون دولار لتكلفة رحلة الناقلة الواحدة. وأسعار الشحن على خطوط الخليج–البحر الأحمر ارتفعت 200 إلى 300% مقارنة بما قبل أزمة البحر الأحمر عام 2023. أما مسارات الشحن فقد تحوّلت عبر رأس الرجاء الصالح مضيفةً 10 إلى 14 يوماً لكل رحلة، وهو ما انعكس في تراجع البضائع العابرة عبر ميناء بورتسودان بأكثر من 30% في الربع الأول من 2026.

سعر الجازولين في السودان بلغ 6,867 جنيهاً للتر في أبريل 2026. والديزل ليس هنا وقوداً للسيارات فحسب — بل المحرك الذي تدور حوله منظومة الإنتاج الزراعي كلها: مضخات الري، وآلات الحراثة، ونقل المحاصيل.

إجمالي الزيادة في تكلفة وحدة الطاقة المستوردة جراء الأزمتين الداخلية والإقليمية معاً يتجاوز 1,200% مقارنة بما كان عليه الوضع قبيل أبريل 2023. بمعنى آخر: ما كان يكلف جنيهاً صار يكلف اثني عشر جنيهاً وأكثر.

الزراعة — حين يجوع المزارع في أخصب بقاع الأرض

في عالم عادل، يُفترض أن يكون السودان سلة غذاء للقارة. لكن الواقع في 2026 يقول شيئاً آخر تماماً: إنتاج الحبوب انخفض 46% عام 2023، وأسعار الغذاء ارتفعت 350% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية. ويشير معهد IFPRI إلى أن 7.5 مليون شخص إضافي قد ينضمون إلى صفوف الفقر في السيناريو المتطرف.

مشروع الجزيرة — الذي يُنتج 50% من القمح السوداني و10% من الذرة — يمثل النموذج الأوضح للانهيار: تعطّل الري بسبب شُح الديزل، وانهار التمويل مع شلل البنك الزراعي، واستُولي على المحاصيل والأسمدة. وقفز سعر اليوريا من 490 إلى 700 دولار للطن.

الذهب — أرض الثروة وخزينة الحرب

الفجوة الإحصائية تكشف القصة: إنتاج أعلى، أسعار أعلى، وعائدات أقل — بسبب التهريب.

تُقدَّر نسبة الذهب المُهرَّب بين 50% و70% من الإنتاج، أي ما يعادل 7.5 إلى 10.5 مليارات دولار سنوياً

سادساً: النفط والموارد — وقود الحرب لا الاقتصاد

حقل هجليج، مصفاة الجيلي، انهيار الإنتاج — كلها تحوّلت إلى أدوات تمويل للصراع.

سابعاً: الجنيه والمصارف — حين تتفكك الثقة

فجوة واردات 9.9 مليار مقابل صادرات 3–4 مليارات، تضخم يتجاوز 200%، وانهيار الثقة في العملة.

ثامناً: المغتربون والمساعدات — الشرايين المقطوعة

تحويلات المغتربين كانت تمثل شرياناً رئيسياً، لكن الحرب الإقليمية قطعت هذا الشريان، مع عودة مئات الآلاف من العمال.

تاسعاً: مسارات النهضة — إذا جاء السلام

كل الحلول مشروطة بوقف الحرب:

استعادة السيطرة على الذهب

إعادة تشغيل الزراعة

إصلاح المؤسسات

عقد اجتماعي جديد

خاتمة: الثروة في خزينة الشعب

السودان يمتلك من الموارد ما يكفي لإعادة بناء نفسه، لكن الثروة تتحول إلى وقود للحرب.

هذه المفارقة ليست قدراً — بل نتيجة خيارات سياسية.

السودان لا يحتاج إلى مساعدة مؤقتة — بل إلى سلام دائم يعيد للموارد وظيفتها الإنتاجية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!