
علي أحمد
لم تعد قصص النهب والسلب في السودان مجرد أخبار متفرقة تتداولها المجالس، بل باتت مظهراً يومياً من مظاهر الانفلات الأمني وانهيار الدولة، خاصة في إقليم دارفور الذي يرزح تحت وطأة الحرب والتهميش منذ عقود.
ولعل ما يحدث اليوم في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، يكشف عمق المأساة التي يعيشها المدنيون، ويُبرز بشكل فجّ كيف تحولت المؤسسة العسكرية — التي يُفترض أن تكون حاميةً للوطن والمواطن — إلى أداة لنهب ثروات الناس وسرقة أقواتهم.
في سوق المواشي بالفاشر، وهو أحد أكبر وأهم الأسواق في الإقليم، يتهم عدد من التجار عناصر من الجيش السوداني بسرقة متاجرهم نهارًا جهارًا، أمام أعين الجميع، وفي ظل صمت مطبق من السلطات المحلية والشرطية.
يقول التاجر آدم موسى أبكر في تصريحات لـ”دارفور24” إن ما يحدث من سرقات في السوق لم يعد مجرد حالات فردية، بل هو “عمل ممنهج” تنفذه عناصر الجيش في وضح النهار، مستغلين ضعف الدولة وغياب القانون.
الأخطر من ذلك، أن المسروقات لا تُهرب بعيداً أو تُخبأ في الخفاء، بل تُعرض وتُباع في أسواق مفتوحة مثل سوق نيفاشا وحي الدرجة الأولى، حيث يشاهدها المواطنون والتجار المنهوبون أنفسهم وهي تُباع من قِبل الجنود أمام أعين قادتهم دون أن يُحرّك أحد ساكناً.
هذه ليست مجرد حالة سطو، بل مشهد من مشاهد انهيار المنظومة الأخلاقية والمؤسسية للقوات النظامية في السودان.
السلطات المحلية، بما فيها الشرطة والإدارة المدنية، تبدو في أحسن الأحوال عاجزة، وفي أسوأها متواطئة أو خائفة. لم يصدر أي تصريح رسمي يدين هذه الانتهاكات، ولم تُتخذ خطوات لردع من يسرق أو ينهب. أما المواطنون، فقد تُركوا لمصيرهم، يواجهون جبروت السلاح وتوحش الجنود الذين أصبحوا خصمًا لا حاميًا.
من المؤسف أن تتكرر هذه الشهادات في أكثر من حي بالفاشر. الناشطون المحليون يربطون بين السرقات وبين ما يُعرف بـ”القوة المشتركة” التي تضم خليطًا من عناصر الجيش والمليشيات المستنفرة، وهي قوة يبدو أنها خُلقت لتبطش لا لتحمي، لتنهب لا لتؤمن.
ولا يمكن أن تُفهم هذه السلوكيات خارج سياق الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة، وتحوُّل الحرب الأهلية في السودان إلى ما يشبه “اقتصاد الغنيمة”، حيث تتفكك السلطة المركزية وتتنازع المكونات المسلحة السيطرة على الموارد — بما فيها الممتلكات الخاصة للمواطنين.
الجنود الذين تحدثوا سابقًا لـ”دارفور24” وعللوا سرقاتهم بالأوضاع المعيشية، يقدمون شهادة دامغة على انهيار الدولة ومؤسساتها، وعلى تآكل الحس الوطني والانضباط الأخلاقي داخل القوات المسلحة. فالجندي الذي ينهب منزلاً أو يسلب تاجرًا، لم يعد يمثل الدولة، بل يمثل عصابة مسلحة ترتدي الزي الرسمي.
في الختام، ما يجري في الفاشر ليس حادثة عابرة ولا نتيجة خلل فردي، بل هو انعكاس لمأساة أكبر، تتطلب من المجتمع الدولي، ومن القوى الوطنية، ومن منظمات حقوق الإنسان، وقفة جادة لكبح جماح التوحش العسكري، وللدفع نحو حل شامل يعيد للمؤسسات المدنية والعسكرية معناها ووظيفتها، أو يستعجل الدعم السريع في السيطرة الكاملة على المدينة والقبض على زمام الأمور.
وحتى يحدث ذلك، فإن المدنيين في دارفور، والفاشر تحديدًا، سيواصلون دفع ثمن حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، سوى أنهم كانوا في المكان الخطأ تحت سلطة خاطئة.




