وهم التفوّق: حين يختبئ العجز خلف صخب “أنا أعزّ منك… ديل ما بشبهونا”
نبض قلم عادل تاج الدين جار النبي

نبض قلم عادل تاج الدين جار النبي
في مسرح الخطاب السياسي، لا تأتي أخطر العبارات بصخبها الظاهر، بل بما تحمله من معانٍ كامنة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي دون أن نشعر. وعبارة “أنا أعزّ منك… ديل ما بشبهونا” ليست مجرد انفعال لغوي عابر، بل هي مفتاح لفهم عقلية مأزومة، تتوسل التفوق اللفظي لتعويض فراغٍ في الفعل، وتستدعي ضجيج الهوية لتغطية صمت المشروع.
من حيث الأصل، لا خلاف على أن كل إنسان عزيز في عشيرته، مكرّم في هويته، ومحل تقدير في قبيلته وقوميته التي جاء منها. ذلك حق اجتماعي أصيل، وجزء من بنية الانتماء التي تمنح الإنسان جذورًا ومعنى. لكن هذا الاعتزاز، حين يُنتزع من سياقه الطبيعي ويُلقى في ساحة المفاضلة، يتحول من قيمة جامعة إلى أداة فرز، ومن شعور إنساني إلى خطاب إقصائي يزرع الشقاق حيث يجب أن تُبنى الجسور. أما عبارة “ديل ما بشبهونا”، فهي لا تكتفي بإعلاء الذات، بل تُسارع إلى نفي الآخر وإقصائه من دائرة القبول، وكأن الاختلاف عيبٌ يجب إنكاره لا ثراءٌ ينبغي احتضانه.
المشكلة لا تكمن في الانتماء، بل في توظيفه. فحين يعجز الفاعل السياسي عن تقديم رؤية وطنية تتجاوز حدود الجماعة، يلجأ إلى استدعاء هذه الهويات الأولية كوسيلة تعبئة سريعة. هنا، لا يعود التفوق قائمًا على الإنجاز أو الكفاءة، بل على القرب من دائرة ضيقة تُعرّف نفسها بوصفها مركزًا للامتياز. وهكذا، تُختزل الدولة في قبيلة، وتُختزل السياسة في ولاء، ويُختزل المواطن في تابع، أو أسوأ من ذلك، في “آخر” لا يُشبهنا.
والأدهى من ذلك، أن هذا الخطاب لا يُنتج قوة كما يدّعي، بل يُراكم هشاشة. فالتفوق الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان دائم، ولا إلى مقارنة مستمرة مع الآخرين. أما الإصرار على تكرار “أنا أعزّ منك… ديل ما بشبهونا”، فهو في جوهره اعتراف غير مباشر بغياب ما هو أعمق: غياب المشروع، وغياب الرؤية، وغياب القدرة على الإقناع خارج حدود الانتماء الضيق.
لقد علّمتنا التجارب أن العصبيات، مهما تلونت، لا تبني أوطانًا. تبدأ بحالة من الفخر المبالغ فيه، ثم تتحول إلى تنافس محموم، قبل أن تنزلق إلى صراع يلتهم الجميع. وفي كل مرة، يُدفع الثمن من رصيد الوطن، لا من رصيد الأفراد الذين أشعلوا شرارة الخطاب. فالوطن الذي يُختصر في “أنا” و”أنت”، ويُقصى فيه البعض بعبارة “ما بشبهونا”، يفقد مع الوقت قدرته على أن يكون “نحن”.
إن الخطاب السياسي الرشيد لا يُلغي الانتماءات، لكنه يضعها في إطارها الصحيح: عناصر تنوّع لا معايير تفاضل. فأن تكون عزيزًا في قومك، لا يمنحك حق الانتقاص من غيرك، كما أن الكرامة لا تُبنى على أنقاض الآخرين. العِزّة، في معناها الأعمق، لا تُقاس بما تقوله عن نفسك، بل بما تُضيفه للناس من حولك.
في “نبض قلم”، لا نرى في هذا الخطاب مجرد زلّة لسان، بل انعكاسًا لأزمة وعي تحتاج إلى مراجعة جادة. فالدولة التي تُدار بمنطق العصبية، تظل أسيرة لدورات متكررة من الانقسام، مهما بدت متماسكة في ظاهرها. والخروج من هذه الدائرة لا يكون بمواجهة الشعارات بشعارات، بل ببناء خطاب بديل، يُعيد تعريف القيمة على أساس المواطنة والكفاءة، لا الانتماء والادعاء.
في النهاية، يظل “وهم التفوق” أخطر من أي هزيمة معلنة. لأنه يمنح صاحبه شعورًا زائفًا بالقوة، بينما يسلبه القدرة على رؤية الحقيقة. وحين يعلو صخب “أنا أعزّ منك… ديل ما بشبهونا”، يغيب صوت العقل، ويضيق أفق الوطن. أما حين تهدأ هذه الضوضاء، تتضح حقيقة بسيطة: لا أحد يعلو على أحد إلا بما يقدّم، ولا وطن يقوم إلا بجميع أبنائه.
الجمعة الجامعة ١٧ أبريل ٢٠٢٦




