رأي

صمت المثقفين تجاه الحرب وأزمة الدولة في السودان:  قراءة في الجذور ومسارات الخروج (2)

هيثم عبد الله محمد

 

هيثم عبد الله محمد

ماجستير العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية

أزمة الدولة الحديثة: غياب العقد الاجتماعي وهيمنة النخب 

اتسمت دول العالم الثالث عامة وبصورة خاصة في المحيطين العربي والإفريقي بكثرة وتشابه الأزمات السياسية العميقة التي تشكل تهديداً واضحاً لبنية الدولة الواحدة، وهي بطبيعة الحال انعكاس للخلل البنيوي الذي صاحب نشوء هذه الدول وهذا الخلل انعكس بشكل أوضح في علاقة المجتمع بالدولة من حيث طبيعتها ومهامها والتزاماتها. وتتمثل أبرز ملامح هذه الأزمة في غياب عقد اجتماعي جامع، وضعف المؤسسات المدنية، وهيمنة نخب محدودة على القرار السياسي. ولا تقتصر هذه الظواهر على حالات منفردة، بل تتكرر في تجارب مختلفة مثل السودان وليبيا واليمن، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه الأزمة وإمكانية تفسيرها ضمن إطار نظري سياسي. والسودان كدولة ساهمت النخبة بشكل كبير في تجريف اي بناء متين لشكل الدولة وقواعدها وأركانها فنظرياً الدولة ترتكز علي الرقعة الجغرافية (الارض) والمجتمعات السكانية (الشعب) والسلطة السياسية (الحكومة) ثم تأتي السيادة كمفهوم عام لاطار الدولة ويحدد اتجاهاتها وفقاً لقواعد القانون الدولي ومواثيق الحقوق والواجبات بين مؤسسات المجتمع الدولي.

اذن تتضح كيفية المقاربة لمفهومي الشعب والسلطة السياسية وارتباطهما بالمجتمعات وتشكيلهما لعصب الدولة لأن الدولة تنشأ نتاج لتنازل هذه المجتمعات السكانية من حقوقها مقابل سلطة تقوم انابة عنهم بتقديم الخدمات الاساسية لهم من حماية أو دفاع أو غيره من الخدمات الواجب قيامها تحت مسمي الدولة وهنا نشأت العلاقة من خلال نظريتين رئيسيتين:

أولًا: نظرية العقد الاجتماعي (Social Contract Theory) كما طرحه فلاسفة مثل توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، حيث تقوم الدولة على اتفاق ضمني بين الحاكم والمحكوم يضمن الحقوق والواجبات. وعندما يغيب هذا العقد أو يكون هشًا، تفقد الدولة شرعيتها وتدخل في حالة من الاضطراب.

 

ثانيًا: نظرية النخبة (Elite Theory) التي ارتبطت بمفكرين مثل فيلفريدو باريتو وغايتانو موسكا، والتي ترى أن السلطة تتركز دائمًا في يد أقلية، لكن الخطر يكمن عندما تتحول هذه النخبة إلى فئة مغلقة تحتكر القرار وتقصي بقية المجتمع.

الحالة السودانية: صراع النخب وغياب التوافق

في السودان، برزت الأزمة منذ قبل اعلان استقلال السودان في يناير 1956 عندما تمردت حامية توريت في العام 1955وظلت الهوة تزداد اتساعاً مع تمدد سنوات الحكم العسكري والانقلابات التي كانت بفعل السيطرة علي قوة الدولة الحقيقية وهي القوة العسكرية وبرزت بوضوح بعد سقوط نظام الحركة الاسلامية السودانية وانهيار مشروعها الحضاري، حيث فشلت القوى السياسية في بناء عقد اجتماعي جديد يحقق التوازن بين المكونين المدني والعسكري. وفي الحالة السودانية افتقدت الدولة هذا التوصيف لعقود كثر وكانت المحصلة الاولي انفصال جنوب السودان وتحقيقه لمصير الشعوب المضطهدة في تلكم المناطق الجغرافية ثم حرب دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والتي توّجت في خاتمتها الانية بحرب 15 أبريل فهي بكل تأكيد إمتداد لتلكم المشكلة الأساسية في عدم وجود عقد إجتماعي يحقق لجميع الشعوب والمكونات والمجتمعات السودانية حقوقها الاساسية بمساواة وعدالة. وقد أدى هذا الفشل إلى صراع مباشر بين النخب العسكرية، تُوِّج باندلاع الحرب في السودان 2023. تعكس هذه الحالة نموذجًا لانهيار التوافق السياسي في ظل ضعف المؤسسات المدنية، ما فتح المجال أمام منطق القوة بدلًا من منطق الدولة “والتي ترى أن السلطة تتركز دائمًا في يد أقلية، لكن الخطر يكمن عندما تتحول هذه النخبة إلى فئة مغلقة تحتكر القرار وتقصي بقية المجتمع” وهو حقيقة ما حدث في السودان بأن استحوذت نخبة معينة ومجموعات اجتماعية السلطة والقوة والعنف واقصت بقية المجتمعات وهو ما كرّس الي ظهور الحركات المطلبية المجتمعية باستمرار حتي تنامت هذه المطالب في بعضها ووصلت الي مرحلة الانفصال كما ذكرنا في حالة انفصال الجنوب وان لم يعاد تعريف مفهوم الدولة وهويتها وتوزيع القوة علي اسس العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات فلن تكون هناك خيارات كثر سوي تحقيق المصير لهذه الشعوب والمجتمعات بعيداً عن تسلّط الأقلية.

السمات الرئيسية لنموذج الدولة السودانية:

• غياب عقد اجتماعي توافقي يحدد شكل الدولة والعلاقة بين مكوناتها.

• ضعف المؤسسات المدنية، مما يجعلها غير قادرة على إدارة الخلافات.

• احتكار النخب للسلطة، وتحول الصراع السياسي إلى صراع صفري.

ومن خلال الربط بين هذه السمات والإطار النظري، يتضح أن الأزمة ليست فقط سياسية ظرفية، بل هي أزمة بنيوية في تكوين الدولة نفسها. فعندما يغيب العقد الاجتماعي، تفقد المؤسسات شرعيتها، وعندما تضعف المؤسسات، تتعزز هيمنة النخب، مما يؤدي في النهاية إلى الصراع.

خاتمة

تؤكد التجربة في السودان أن بناء دولة مستقرة لا يمكن أن يتحقق دون وجود عقد اجتماعي جامع ومؤسسات مدنية قوية، إلى جانب آليات تضمن تداول السلطة وتحد من احتكارها. وبذلك، فإن أي محاولة للإصلاح السياسي يجب أن تنطلق من معالجة هذه الجذور العميقة، وليس فقط التعامل مع مظاهر الأزمة. بالتالي لا تعد عملية الاصلاح قابلة للتحقق بسبب تراكم المعضلات وتزايد المشكلات واختلاف الوسائل المستخدمة في عملية التغيير والأجدي هو إعادة بناء وتاسيس بشكل كامل للدولة ومؤسساتها وتبتدر هذه العملية بضرورة تبيّان مفهوم العقد الاجتماعي بشكل واضح حتي يكون جامعاً للمجتمعات والشعوب السودانية في مختلف مظانها ومشاربها وبمختلف ثقافاتها ولغاتها وعاداتها وتقاليدها والاعتراف بهذا التنوع بأنه مصدر قوة وليس ضعف مما يماسك من مفهوم العقد الإجتماعي والذي سيؤدي الي تعريف مفهوم الهوية التي ظلّت حبيسة لمفهوم الصراع العربي الاسلامي ضد الافريقي ويجب أن تقود لمفهوم واضح لهوية الدولة ان تبتعد عن الدين واللون والجنس والعرق واللغة فهي ليست محددات لهوية الدولة السودانية المنشودة.

كمبالا 16/أبريل/202

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!