
عبدالعزيز بخات – محامٍ ومدافع عن حقوق الإنسان
في الثالث والعشرين من مارس 2026، شهدت مدينة لقاوة واحدة من أبشع صور الانتهاكات التي تطال المدنيين في سياق النزاع المسلح، حين تعرّضت لهجوم بطائرتين مسيّرتين استهدفتا تجمعات مدنية بصورة مباشرة، ما أسفر عن مقتل أكثر من خمسة عشر مواطناً وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، بينهم نساء. وتمثل هذه الواقعة انتهاكاً جسيماً للمبادئ الإنسانية والقواعد القانونية الدولية التي تحظر بشكل قاطع استهداف المدنيين والأعيان المدنية.
إن توصيف هذا الفعل لا يخرج عن كونه جريمة دولية ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني. فقد أرست اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها إطاراً قانونياً واضحاً يضمن الحماية للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ويحظر الهجمات العشوائية أو المتعمدة التي تستهدفهم. كما يؤكد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن تعمد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين يُعد جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية.
وعلاوة على ذلك، فإن قواعد القانون الدولي العرفي تُلزم أطراف النزاع بالتمييز الدقيق بين الأهداف العسكرية والمدنية، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين. ويُعد أي إخلال بهذه المبادئ انتهاكاً خطيراً لا يسقط بالتقادم، بل يظل موجباً للملاحقة والمحاسبة أمام القضاء الوطني أو الدولي.
وعلى المستوى الإقليمي، يؤكد ميثاق الاتحاد الإفريقي ومنظومة مجلس السلم والأمن الإفريقي على أولوية حماية المدنيين وصون كرامتهم، ويشددان على ضرورة محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة. كما تُلزم هذه الأطر القانونية الدول والأطراف غير الحكومية على حد سواء باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني ومنع الإفلات من العقاب.
أما داخلياً، فإن التشريعات الجنائية السودانية تُجرّم القتل العمد وإحداث الأذى الجسيم، وتُشدد العقوبات في حال ارتكاب هذه الجرائم في سياق النزاعات المسلحة أو عند استهداف الفئات الأكثر ضعفاً، الأمر الذي يجعل هذه الجريمة خاضعة للمساءلة على المستويين الوطني والدولي.
إن تكرار مثل هذه الانتهاكات يعزز القناعة بوجود نمط من العنف المنظم الذي يستهدف المدنيين بصورة ممنهجة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول المسؤولية القانونية والأخلاقية للجهات الضالعة في هذه الأفعال، ويضعها في دائرة الاتهام بممارسة سلوك يرقى إلى مستوى الإرهاب ضد المدنيين.
وستظل دماء الضحايا في لقاوة شاهداً حياً على هذه الجريمة، ودافعاً مستمراً لملاحقة مرتكبيها. فالعدالة الدولية، وإن تأخرت، لا تسقط، وسيقف كل من شارك أو خطط أو سهل ارتكاب هذه الأفعال أمام منصات القضاء، حيث لا حصانة تحول دون المساءلة.
سنلتقي في ساحات العدالة، وسيكون القانون هو الفيصل، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.




