
نجوي بابو
لم يعد الموت في السودان خبرًا صادمًا، بل صار تفصيلًا يوميًا في حياة ملايين المدنيين. القصف، النزوح، فقدان الأحبة، وانهيار كل ما كان يُشكل معنى الحياة الطبيعية… كلها مشاهد تتكرر حتى فقدت قدرتها على الإدهاش، لكنها لم تفقد قسوتها.
في المعسكرات وعلى أطراف المدن وفي طرق اللجوء الطويلة، لا يسأل الناس عن السياسة بقدر ما يسألون عن الماء، عن وجبة تسد الجوع، أو عن دواء ينقذ مريضًا. هناك، حيث تتجرد الحياة من أبسط مقوماتها، تبدو المساعدات الإنسانية كخيط رفيع يفصل بين البقاء والفناء.
لكن هذه الصورة، على قسوتها، ليست كاملة.
فالمساعدات، رغم ضرورتها القصوى، لا تعني نهاية المعاناة، بل في كثير من الأحيان بداية نوع آخر من الصراع. صراع على الوصول إليها، على توزيعها، وعلى من يملك القرار في توجيهها. في بيئة منهارة أمنيًا ومؤسسيًا، تصبح الإغاثة موردًا، ومع المورد تنشأ المصالح.
هنا، تتسلل الحرب إلى تفاصيل لم تكن يومًا جزءًا منها. تتحول بعض المساعدات إلى سلعة في الأسواق، أو إلى أداة نفوذ بيد جماعات مسلحة، أو إلى مصدر دخل لشبكات تستفيد من استمرار الأزمة. ليس هذا هو المشهد الكامل، فالكثير من العاملين في المجال الإنساني يخاطرون بحياتهم يوميًا لإيصال الدعم، لكن الحقيقة المؤلمة أن غياب الرقابة واحتدام الصراع يفتحان الباب واسعًا أمام الانحراف.
وفي خلفية كل ذلك، يستمر السؤال الذي لا يجد إجابة: لماذا لا تتوقف الحرب؟
الجواب لا يكمن فقط في ساحات القتال، بل في شبكة معقدة من المصالح التي تشكلت حول الصراع. أطراف عسكرية تسعى للسيطرة، قوى سياسية عاجزة ، شبكات اقتصادية وجدت في الفوضى فرصة، وتدخلات إقليمية ودولية تتقاطع فيها الحسابات أكثر مما تتوحد فيها الجهود.
في مثل هذا الواقع، لا يكون وقف إطلاق النار مجرد قرار، بل تهديدًا لمصالح قائمة. ولهذا، تستمر الحرب، ليس لأنها بلا حلول، بل لأن كلفتها أقل بالنسبة لبعض الأطراف من كلفة السلام.
لكن الثمن الحقيقي يُدفع في مكان آخر.
يُدفع في طفل حُرم من مدرسته، وفي أسرة فقدت منزلها، وفي مزارع ترك أرضه التي كانت تكفيه وتفيض. يُدفع في مجتمع كان منتجًا بطبيعته، يجد نفسه فجأة معتمدًا على المساعدات للبقاء. وهنا تكمن المفارقة القاسية: بلد غني بموارده، يتحول إلى ساحة انتظار للإغاثة.
الخطر لا يكمن فقط في الجوع أو المرض، بل في التحول البطيء للمجتمع نفسه. حين تطول الحرب، لا تدمر البنية التحتية فقط، بل تعيد تشكيل السلوك، وتغرس الاعتماد بدل الإنتاج، وتفتح الباب أمام أجيال تنشأ في ظل غياب الدولة والأمل.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل المساعدات أكثر مما تحتمل. فهي، في النهاية، استجابة لواقع كارثي، وليست سببًا فيه. المشكلة الحقيقية تظل في استمرار الحرب، وفي العجز عن تفكيك الأسباب التي تغذيها.
إن إنهاء هذه المأساة يتطلب أكثر من مؤتمرات وبيانات. يتطلب إرادة حقيقية من الداخل قبل الخارج لوقف النزيف، وإعادة بناء الثقة، وفتح الطريق أمام مشروع وطني بشرف إقليمي ودولي لا يُقصي أحدًا ولا يُبنى على أنقاض الآخرين يأسس دولة القانون والمواطنة المتساوية .
إلى أن يحدث ذلك، سيبقى السودانيون عالقين بين نارين: نار الحرب التي تفتك بحياتهم، وظلال الإغاثة التي تُبقيهم على قيد الحياة… دون أن تمنحهم مستقبلًا.




