رأي

الكنداكات لا يكسرن : العنف يطارد النساء حتى شوارع أكسفورد

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

لم تكن الوقفة الاحتجاجية التي شهدتها مدينة أكسفورد أثناء زيارة كمال إدريس مجرد تجمع سياسي عابر، بل كانت صرخة سودانية في وجه الحرب والدمار والانتهاكات التي مزقت الوطن. رفع السودانيون والسودانيات شعارات الثورة التي قاومت الرصاص ولم تنكسر: لا للحرب، حرية، سلام، وعدالة. لكن المشهد الذي بدأ سلميا انتهى بصورة صادمة أعادت إلى الأذهان الوجه الحقيقي للعنف السياسي السوداني، حين تعرضت إحدى السودانيات وهي من القيادات المعروفة داخل الجالية السودانية بأكسفورد إلى اعتداء نفسي وجسدي من أحد أفراد الوفد المرافق.

ما حدث لم يكن حادثة معزولة أو انفعالا فرديا عابرا، بل انعكاس مباشر لعقلية سياسية ظلت لعقود تعتبر القمع وسيلة لإدارة الاختلاف، والإهانة أداة لإسكات الأصوات الحرة. إنها ذات العقلية التي دفعت السودان إلى الحرب، وشردت الملايين، وفتحت أبواب السجون والمعتقلات، ورسخت الخوف بدلا عن العدالة.

الأخطر في الحادثة أن الضحية امرأة سودانية، كنداكة تنتمي إلى جيل النساء اللاتي حملن الثورة على أكتافهن وواجهن الرصاص والهراوات والاعتقالات دفاعا عن وطن يحلم بالحرية. الاعتداء على امرأة في فضاء ديمقراطي مفتوح لا يمثل إساءة شخصية فقط، بل يحمل دلالة سياسية وأخلاقية خطيرة، مفادها أن بعض العقليات لا تزال ترى في المرأة الحرة خطرا يجب إخضاعه وإسكاته.

نفسيا، تترك مثل هذه الاعتداءات جروحا أعمق من آثارها الظاهرة. فحين تهان امرأة بسبب موقفها السياسي وأمام مجتمعها وفي بلد يفترض أنه يحمي الحقوق والحريات، فإن ذلك يخلق شعورا قاسيا بانعدام الأمان والخذلان. كثير من النساء اللاتي نجون من الحرب أو القمع السياسي يحملن بالفعل آثارا نفسية ثقيلة من الخوف والفقد والنزوح، لتأتي مثل هذه الحوادث وتعيد فتح الجراح ذاتها، وكأن السوداني لا يستطيع الهروب من العنف حتى خارج حدود وطنه.

فإن تصدير العنف إلى فضاءات الجاليات السودانية بالخارج يمثل خطرا حقيقيا على تماسك المجتمعات السودانية في المهجر. فالجاليات لم تعد مجرد تجمعات للمغتربين، بل أصبحت مساحات دعم نفسي وإنساني للناجين من الحرب والانهيار. وعندما تستولي عليها دبلوماسية حكومة الأمر الواقع وتزرع داخلها لغة التخوين والاعتداء والترهيب، فإنها تتحول إلى امتداد للأزمة السودانية بدلا من أن تكون ملاذا منها.

فإن أي اعتداء على متظاهرين سلميين في بريطانيا يعد انتهاكا واضحا لحرية التعبير والتجمع السلمي التي تكفلها القوانين البريطانية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. كما أن الاعتداء الجسدي أو التهديد النفسي يمكن أن يندرج تحت أفعال جنائية تستوجب التحقيق والمساءلة، بصرف النظر عن الصفة الدبلوماسية أو السياسية لأي طرف متورط.

وتكشف هذه الواقعة التناقض الفاضح بين الخطاب الذي يتحدث عن السلام والحوار، وبين الممارسة التي تلجأ إلى العنف فور مواجهة الرأي الآخر. فلا يمكن لأي سلطة أو تيار سياسي أن يدعي الدفاع عن الوطن بينما يعجز عن احترام امرأة ترفع لافتة أو تهتف ضد الحرب.

لقد خرج بعض السودانيون في أكسفورد لأنهم يحملون وطنا مثقلا بالمقابر والنزوح والانهيار، ولأنهم يؤمنون أن من حقهم أن يقولوا لا للحرب دون خوف. لكن ما حدث أثبت مرة أخرى أن الأزمة السودانية ليست فقط أزمة سلاح وسلطة، بل أزمة ثقافة سياسية كاملة لم تتعلم بعد معنى الاختلاف ولا قيمة الإنسان.

تبقى الحقيقة الأوضح وسط هذا المشهد

الكنداكات لا يكسرن

فكل محاولة لإسكات المرأة السودانية لم تنتج إلا مزيدا من الأصوات الحرة ومزيدا من الإصرار على أن الكرامة والعدالة ليستا منحة من أحد، بل حق ينتزع بالنضال والصمود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!