السودان ومأزق الوساطات… قراءة في حدود التأثير الإقليمي الرياض… حين تُستبدل الجغرافيا ولا تتغيّر السردية
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
تبديل المكان لا يغيّر الحقيقة… إن بقيت الرؤية أسيرة ذاتها
في خضم التحركات السياسية المتسارعة التي تشهدها الأزمة السودانية، يبرز التوجه نحو العاصمة السعودية الرياض كأحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة، حيث تتجه قوى سياسية ومدنية بحثًا عن مخرج من نفق الحرب الطويل. غير أن هذا التوجه، يثير تساؤلات جوهرية حول جدواه، وحدود تأثيره، ومدى قدرته على إحداث اختراق حقيقي في جدار الأزمة المعقدة.
فالتجربة القريبة لا تزال حاضرة في الأذهان. إذ سبق للمملكة العربية السعودية أن احتضنت، إلى جانب الولايات المتحدة، جولات تفاوضية في مدينة جدة بين طرفي النزاع، في إطار ما عُرف بالمبادرة الأمريكية–السعودية. تلك المبادرة، التي عُوِّل عليها كثيرًا في حينها، لم تنجح في تحقيق اختراق يُذكر، ولم تفضِ إلى وقف دائم لإطلاق النار، بل انتهت إلى حالة من الجمود السياسي، أعادت المشهد إلى نقطة الصفر، وربما إلى ما هو أسوأ.
هذا الفشل لا يمكن عزله عن طبيعة المقاربات التي حَكمت تلك الجهود، والتي بدت في كثير من الأحيان أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها. فالتعامل مع النزاع السوداني بوصفه أزمة يمكن احتواؤها عبر ترتيبات مؤقتة، دون معالجة جذوره العميقة، أثبت محدوديته، بل وأسهم في إطالة أمد الصراع وتعقيد مساراته.
وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل أن المملكة اليوم جزء من مبادرات إقليمية أوسع، من بينها ما يُعرف بالمبادرة الرباعية، ما يعني أن دورها لم يعد منفردًا، بل بات محكومًا بتوازنات وتحالفات إقليمية تفرض سقوفًا محددة على حركتها وتأثيرها. وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل تمتلك الرياض رؤية مستقلة ومختلفة يمكن أن تُحدث فارقًا، أم أنها تتحرك ضمن نفس الإطار الذي لم يحقق نتائج ملموسة حتى الآن؟
الأمر الأكثر إثارة للجدل هو طبيعة السردية السياسية التي تتبناها بعض الأطراف المؤثرة في الملف السوداني. إذ تشير مواقف وبيانات مشتركة سابقة إلى تقارب واضح في الرؤى بين السعودية ومصر، خاصة فيما يتعلق بشعارات مثل “الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه” و”دعم مؤسسات الدولة”. وهي عناوين تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها في واقع الأمر تثير نقاشًا عميقًا حول مضمونها العملي.
فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أي وحدة يُراد الحفاظ عليها؟ وأي مؤسسات يُراد دعمها؟ إذا كانت هذه المؤسسات نفسها محل خلاف داخلي عميق، ولا تعكس إجماعًا وطنيًا حقيقيًا، بل ترتبط في نظر قطاعات واسعة من السودانيين بتاريخ طويل من التهميش والإقصاء، فإن إعادة إنتاجها دون مراجعة جذرية قد لا يقود إلى الاستقرار، بل إلى إعادة تدوير الأزمة.
إن الإشكال لا يكمن في المبدأ، بل في التطبيق. فالدعوة إلى الحفاظ على الدولة لا يجب أن تعني الحفاظ على الهياكل المختلة، بل إعادة بنائها على أسس جديدة من العدالة والمواطنة والتوازن. أما الاكتفاء بشعارات عامة دون مضمون إصلاحي حقيقي، فإنه يفتح الباب أمام استمرار الأزمة بأشكال مختلفة.
ومن هنا، فإن التوجه نحو الرياض، إذا لم يكن مصحوبًا برؤية نقدية واضحة لهذه الإشكالات، قد يتحول إلى مجرد انتقال جغرافي من عاصمة إلى أخرى، دون تغيير فعلي في طبيعة المقاربة أو في مآلاتها. أي أننا قد نكون أمام استبدال للمكان، لا للسردية.
الأخطر من ذلك، أن بعض القوى السياسية قد تجد نفسها، دون قصد، ضمن مسارات تعيد إنتاج نفس المعادلات القديمة، بدلًا من كسرها. فالبحث عن دعم إقليمي أو دولي مشروع في حد ذاته، لكن هذا الدعم يفقد قيمته إذا لم يكن منسجمًا مع تطلعات الداخل، أو إذا جاء مشروطًا برؤى لا تعكس تعقيدات الواقع السوداني.
إن الأزمة السودانية، في جوهرها، ليست فقط صراعًا على السلطة، بل هي أزمة دولة وهوية ومشروع وطني. وبالتالي، فإن أي جهد إقليمي أو دولي لا ينطلق من هذا الفهم العميق، سيظل عاجزًا عن تقديم حلول مستدامة. المطلوب ليس مجرد وساطة، بل شراكة في إعادة التفكير، وفي دعم مسار جديد يضع الإنسان السوداني في قلب المعادلة، لا على هامشها.
وعليه، فإن الدور الذي يمكن أن تلعبه السعودية، أو أي طرف إقليمي آخر، يظل مرهونًا بمدى قدرتها على التحرر من المقاربات التقليدية، والانفتاح على رؤية أكثر شمولًا واستقلالية، تأخذ في الاعتبار تنوع السودان وتعقيداته، وتستجيب لتطلعات شعبه في بناء دولة مدنية عادلة.
أما إذا استمر التعاطي مع الأزمة بذات الأدوات، وتحت ذات السرديات، فإن النتيجة لن تكون سوى إطالة أمد المعاناة، وتكريس حالة الانسداد السياسي، مهما تغيرت العواصم وتعددت المبادرات.
في النهاية، لا يكفي أن تتحرك القوى السياسية نحو الخارج، بل الأهم أن تتحرك نحو مراجعة الذات، وأن تطرح مشروعًا وطنيًا جامعًا، يكون قادرًا على فرض نفسه، لا استجداء الدعم له. فالحلول الحقيقية لا تُستورد، بل تُبنى من الداخل، بدعمٍ صادق من الخارج، لا بوصاية عليه.




