رأي

مؤتمر برلين – خديعة الدولة والتنظيم (1-6) الجريمة التأسيسية — الليلة التي بِيعت فيها دماء أهل الهامش!

مجدي محمد مصطفي ماكن

 

مجدي محمد مصطفي ماكن 

تنشط هذه الأيام، وبصورة محمومة، عدد من الدوائر الاستخباراتية وأذرعها الإعلامية لرسم خط وهمي بين البرهان وتنظيم الحركة الإسلامية الإرهابية. وتحاول هذه الدوائر تصوير قرارات البرهان الأخيرة — من إقالة وترقية لبعض الضباط — على أنها انقلاب داخلي يحاول من خلاله القفز من سفينة الإسلاميين الغارقة، مستعيداً السيطرة على الجيش بمبدأ الدولة لا بمبدأ التنظيم.

هذا المنطق الذي يروّج له، للأسف، بعض الدوائر العربية والغربية، هو صميم الخديعة التي هندسها الإنجليز وسار عليها نخب دولة 56. وهو منطق مضلل يقفز على حقائق الواقع والتاريخ. فالبرهان قدّمته الحركة الإسلامية إلى الساحة السياسية عقب سقوط البشير، وتجاوز في الترتيب العسكري ضباطاً هم أكفأ منه وأقدم. وأسرته مقيمة اليوم في تركيا التي تدعم الإخوان، وعلي كرتي يُعدّ المحرّك الأيديولوجي الحقيقي خلف قرارات القيادة العسكرية. فأيّ استقلالية هذه التي يتحدثون عنها؟

هذا الواقع — الذي اختُطفت فيه المؤسسة العسكرية لصالح تنفيذ مشاريع خاصة — ليس وليد اليوم. بل له تاريخ قديم وجذر عميق في ما يُسمى بالدولة السودانية، يمتد إلى اللحظة التأسيسية الأولى.

الرواية الرسمية والحقيقة المخفية

في التاريخ الرسمي السوداني، يُقدَّم الفريق إبراهيم عبود على أنه عسكري طموح استغلّ ضعف الأحزاب ليستولي على السلطة في فجر السابع عشر من نوفمبر 1958. لكن الوثائق القضائية التي أُميط عنها اللثام بعد سقوط نظامه تكشف حقيقةً أكثر إيلاماً وأعمق أثراً: لم يكن عبود فاعلاً، بل كان أداةً. ولم تكن تلك اللحظة انقلاباً، بل كانت صفقة.

الليلة التي بِيعت فيها دماء أهل الهامش!

قبل عشرة أيام من انعقاد البرلمان المقرر في نوفمبر 1958، زار رئيس الوزراء عبد الله خليل — زعيم حزب الأمة ورجل الأنصار الأول — قائدَ الجيش الفريق إبراهيم عبود في منزله، وقال له ما معناه: الوضع السياسي لا يحتمل، وليس ثمة مخرج إلا أن يأخذ الجيش زمام الأمور.

لم يكن عبد الله خليل مدفوعاً بحبّ النظام. كان مدفوعاً بالخوف. فالبرلمان الذي كان على وشك الانعقاد كان يحمل في جدول أعماله ما يشبه القنبلة: مطالب صريحة وملحّة من أبناء الجنوب والأقاليم بتحويل السودان إلى دولة فيدرالية، تتوزع فيها الموارد والسلطة بعيداً عن الخرطوم ونخبها. كان عبد الله خليل يعلم أن ائتلافه الحكومي، الجامع بين حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي، لن يصمد أمام هذه المطالب ديمقراطياً. فاختار الحل الأسهل: تسليم السلطة لمن يملك السلاح.

تلك الليلة لم تلد انقلاباً. تلك الليلة ولدت عقداً.

العقد الضمني: ماذا أعطوا وماذا أخذوا؟

العقد الذي وُلد تلك الليلة لم يُكتب في وثيقة، لكنه كان واضحاً لكل الأطراف:

نخب المركز أعطوا — الشرعية الرمزية: عبد الله خليل كان رجل الأنصار والطائفة، وحزبه يمثل القوة الاجتماعية الكبرى. تسليمُه للسلطة طوعاً أضفى على العسكر قبولاً اجتماعياً في الخرطوم وأوساط العائلات المركزية الكبرى.

نخب المركز أخذوا — إسكات أصوات الهامش : البرلمان المعلَّق كان يحمل مطالب الفيدرالية والحكم الذاتي. الجيش أغلقه قبل أن يُفتح، وحرس بذلك امتيازات نخبة الخرطوم — من مثقفين وطائفيين وتجار — من مواجهة مطالب أبناء كردفان ودارفور والجنوب والشرق.

الجيش أخذ — السلطة والثروة والمكانة: وهي مكاسب لم تعد عنه منذ ذلك اليوم، وأصبحت المؤسسة العسكرية بموجبها شريكاً دائماً في ثروة الدولة ومستفيداً راسخاً من استمرار هيمنة المركز.

هذه هو النواة الصلبة لما نسميه “الدولة العميقة” في السودان. تحالف صامت بين الطبقة السياسية المركزية والمؤسسة العسكرية، غايته المشتركة الوحيدة هي إبقاء الهامش خارج مراكز القرار والثروة.

الديمقراطية كخطر لا كقيمة

ما يكشفه ما يسمى انقلاب عبود بصورة مُدهشة هو أن النخبة السياسية السودانية المركزية لم تنظر يوماً إلى الديمقراطية كقيمة، بل نظرت إليها كأداة تستخدمها حين تخدمها، وتتخلى عنها حين تهدد مصالحها.

فحزب الأمة والحزب الاتحادي، اللذان رفعا راية الاستقلال ونادَيا بالحرية، لم يتورعا عن تسليم البرلمان الوليد — بعد سنتين فقط من الاستقلال — إلى الجيش. لماذا؟ لأن البرلمان بدأ يعمل كما ينبغي لبرلمان حقيقي أن يعمل: ممثلاً لكل السودانيين لا لأهل الخرطوم وحدهم.

سؤال الفاجعة هو ماذا فعل عبود بالسلطة؟ تبنى ذات الأيدلوجيا العروبية الإسلامية “الإقصائية” و اتخذها ستار لتنفيذ أول إبادة جماعية في السودان بعد الاستقلال.

 أيدلوجيا من؟ 

أيدلوجيا الحزبين الطائفيين! أي انهم يريدونك يا أيها السوداني أن تصدق أن عبود انقلب على الأحزاب لينفذ برنامج الأحزاب بالبندقة التي تدفع ثمنها أنت من دمك، لعجزهم عن تنفيذه عبر ديمقراطية “قدر ظروفك”.

هذا المنطق تكرّر مرة بعد مرة: عام 1969 حين دعمت قوى اليسار والتقدميين انقلاب نميري الاشتراكي، وعام 1989 حين فتحت النخب الإسلاموية الإرهابية أبواب الدولة لانقلاب البشير. في كل مرة كان الغطاء الأيديولوجي مختلفاً — القومية، الاشتراكية، الإسلام — لكن الوظيفة كانت واحدة: حراسة المركز من أن يُحاسَب.

الجنوب: الضحية الأولى للصفقة

ما أُسكت في برلمان نوفمبر 1958 لم يكن مجرد نقاشاً سياسياً. كان صرخة أبناء الجنوب الذين طالبوا بحكم ذاتي حقيقي، بعد أن رأوا كيف حلّت الخرطوم بعد الاستقلال محل الإدارة البريطانية، دون أن تغيّر شيئاً في منطق الهيمنة والإقصاء.

حين أغلق الجيش البرلمان، أُغلق معه الباب السلمي أمام مطالب الجنوب. ومن تلك اللحظة، لم يبقَ أمام الجنوبيين غير البندقية. الحرب الأهلية الأولى التي اندلعت في أعقابها لم تكن حرباً دينية أو قبلية، بل كانت الردّ المسلح على الخيانة السياسية التي ارتكبها نخب المركز حين آثروا الجيش على الديمقراطية.

وفي المفارقة المرّة: الجنوب الذي سلبت منه الصفقة صوته عام 1958، انفصل عام 2011، تاركاً وراءه درساً لم تتعلمه الخرطوم حتى اليوم: الدول التي تُبنى على إقصاء أطرافها لا تعيش طويلاً في صورتها الأولى.

الجريمة التي لا تسقط بالتقادم

ستون عاماً من الانقلابات والحروب والخراب لا يمكن تفسيرها بقصص قادة طامعين أو تنظيمات متآمرة. كلها — بلا استثناء — تعود إلى تلك الليلة من نوفمبر 1958، حين قرّرت نخبة الخرطوم أن ثمن الديمقراطية الحقيقية أكثر مما تستطيع تحمّله، فاستأجرت الجيش حارساً لامتيازاتها.

ومن هنا تنكشف الخديعة الكبرى اليوم: حين يقول لك أحدهم إن البرهان يواجه الكيزان، أو إن ثمة صراعاً بين “منطق الدولة ومنطق التنظيم”، فهو لا يصف الواقع — بل يُعيد إنتاج نفس المنطق الذي جرى به بيع دماء اهل السودان منذ 1958: إيهامك بأن تغيير الوجوه داخل المنظومة ذاتها هو تغيير حقيقي، وأن الجيش ذاته يمكن أن يكون مخلّصاً إن صفّيناه من “الشوائب”.

الجريمة لم تكن أن عبوداً انقلب. الجريمة كانت أن أهل السياسة دفعوا له ثمن الانقلاب طوعاً. وكل جيل سوداني لاحق دفع — ولا يزال يدفع — فاتورة تلك الصفقة.

المقال القادم — 2/6:

“الجيش بلا أيديولوجيا”

كيف تنكّر الجيش السوداني لكل القيم التي رفعها، شيوعية / قومية / عروبية / اشتراكية / إسلامية، وظلّت وظيفته الحقيقية واحدة لا تتغير، نهب ثروات السودان لصالح فئات محددة؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!