رأي

قناع الجزيرة والحدث: إعلام الحياد الزائف والانحياز السافر إلى الظلم في السودان

بقلم: د. عبد الرحمن العمرابي

بقلم: د. عبد الرحمن العمرابي

منذ اندلاع الثورة السودانية الكبرى، ظل الإعلام العربي في مجمله يمارس تغطية انتقائية للأحداث، إلا أن قناتي الجزيرة ونسختها الأدنى مهنياً الحدث، تستحقان وقفة تأمل عميقة. فهما لا تكتفيان بالانحياز الصارخ لصالح سلطة بورتسودان المنقلبة، بل تتبنيان خطاباً مشوهاً، لا يعكس الحقيقة السودانية بل يشوهها عن عمد.

لماذا يصرون على الانحياز للإسلامويين؟

منذ انقلاب 1989، عانى الشعب السوداني من ويلات المشروع الإسلاموي الذي جثم على صدره لعقود. وهو مشروع لم يكتف بالفساد والاستبداد، بل روّج لخطاب سياسي فجّ، منفّر، ومخالف لقيم السودانيين وثقافتهم، تضمن أوصافًا مشينة كـ”هادم الحرمين” و”عجوز العرب المتصابي” و”دويلات خليج فارس”، وهي عبارات تنضح بالكراهية والانحطاط. اليوم، تستمر بعض المنصات الإعلامية في الترويج لنفس هذه الوجوه والعبارات، متجاهلة إرثاً من الجرائم والتجريف القيمي، وكأن شيئاً لم يكن.

فهل نحن أمام طابور خامس إعلامي؟ أم أمام اختراق ممنهج لمؤسسات يفترض أنها تنقل الحقيقة لا تزورها؟

تزوير الحقائق: من هو الجيش السوداني؟

يصر الخطاب الإعلامي للقناتين على تصوير الفريق عبد الفتاح البرهان، قائد الانقلاب الدموي، على أنه يمثل الجيش السوداني، متجاهلين أن صعوده إلى السلطة تم عبر انقلاب عسكري يُجرّمه القانون العسكري السوداني نفسه، وأن محاكمته العادلة يجب أن تنتهي بالإعدام.

ويتجاهلون أن قوات الدعم السريع كانت – حتى لحظة الانقلاب – جزءاً من المنظومة العسكرية الرسمية، وأن من رفض الانقلاب من الجيش والدعم السريع معاً هم من يمثلون حقيقة “قوات الشعب المسلحة”. أما من تحالفوا مع الإسلامويين، بل ومع الفصائل المسلحة التي طالما قاتلت الجيش في دارفور وجبال النوبة، فهم من فقدوا شرعية تمثيل الجيش. نفس التحايل حدث من قبل، حين سُرق اسم “حزب المؤتمر الوطني” من تيار سياسي شرعي لصالح تنظيم الإسلاميين، والآن يُعاد السيناريو مع اسم “الجيش السوداني”.

عداء لتأسيس وتقويض لصمود؟

ما يثير القلق أكثر هو الحملة الإعلامية المستمرة لتشويه تحالف “تأسيس” – الذي يمثل تياراً مدنياً عريضاً عابراً للجهويات والطوائف – عبر وصمه بالانفصالية أو الجهوية، في حين يتم تجاهل موقف “صمود” والتركيز علي خطاب بعض قادته الذي يغازل الإسلامويين. بل إن أي حديث عن تغلغل الفكر الإسلاموي، أو دعم إيران لحكومة بورتسودان، أو النفوذ الحمساوي داخلها، يُقابل بالصمت أو التشويش الإعلامي.

هل هذا هو الحياد؟

يدّعي بعض الإعلاميين وقوفهم على مسافة واحدة من جميع الأطراف. لكن الوقائع واللغة والسرديات التي يتبنونها تقول عكس ذلك. إن منح منصات إعلامية واسعة لمروجي الانقلاب، وإقصاء الأصوات المدنية المقاومة له، والتهوين من دور الإسلامويين وداعميهم الإقليميين، هو اصطفاف صريح، لا يمكن تغليفه بشعار “الرأي والرأي الآخر”.

الخاتمة: بين التضليل والوعي

لقد آن الأوان لكشف القناع عن إعلام اختار أن يكون أداة تضليل بدل أن يكون سلطة رابعة. الشعب السوداني اليوم لا يحتاج إلى أصوات تملي عليه ما يجب أن يصدق، بل يحتاج إلى من ينقل واقعه بصدق، ويحترم نضاله من أجل الحرية والكرامة.

فمن يقف مع الانقلاب لا يقف على الحياد الذي لم يعد خياراً، بل يقف على جثة الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!