رأي

كيف وصل السودان إلى ما نحن فيه اليوم؛ الشيوعيون والإخوان والسلفيون (1-4)

صالح السليمي

 

صالح السليمي

الحلقة الأولى: سودان ما بعد الاستقلال – الفردوس الذي أُهدِر

            لم يكن استقلال السودان في عام 1956 مجرد إعلان سياسي بنهاية حقبة استعمارية، بل كان لحظة اكتمال مشروع دولة حديثة، وُضعت لبناتها على أسس مؤسسية راسخة، ونُسجت ملامحها بروح مدنية متقدمة قياسًا بمحيطها الإقليمي. كان السودان في تلك اللحظة أقرب إلى دولة تتهيأ للانطلاق، لا دولة تبحث عن نفسها. غير أن المأساة لم تكن في ضعف البداية، بل في خيانة المسار.

لقد ورث السودان عند الاستقلال جهازًا إداريًا يُعد من الأكثر كفاءة في المنطقة: خدمة مدنية منضبطة، تُدار بمعايير المهنية لا الأهواء، وتستند إلى تقاليد راسخة في الانضباط والحياد. لم تكن الوظيفة العامة بابًا للغنيمة، بل مسؤولية تُحاط بالاحترام والمساءلة. وكان القضاء يتمتع بدرجة معتبرة من الاستقلال، ما أتاح قدرًا من العدالة الاجتماعية، ورسّخ ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

في مجال التعليم، كان السودان يمتلك مشروعًا وطنيًا طموحًا، ينتشر في المدن والأرياف، ويهدف إلى بناء إنسان قادر على التفكير والمشاركة. لم يكن التعليم ترفًا، بل أداة للنهضة. وفي سياق ذلك، برزت المرأة السودانية بوصفها شريكًا أصيلًا في المجال العام: تتعلم، تعمل، وتشارك سياسيًا، في وقت كانت فيه كثير من مجتمعات الإقليم لا تزال تحاصرها بقيود تقليدية صارمة.

أما المدن السودانية—وفي مقدمتها الخرطوم—فكانت تعكس روح الدولة الحديثة: شبكات نقل وسكك حديد تربط الأطراف بالمركز، طرق معبدة، تخطيط عمراني منظم، ومعمار يشي بذائقة حضارية متقدمة. لم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكانية، بل مراكز إنتاج وتبادل، مرتبطة بموانئ نهرية وبحرية، تُغذي اقتصادًا نشطًا ومتصلًا بالعالم.

وفي القطاع الصحي، كان السودان يقدم نموذجًا متوازنًا بين الحضر والريف: مستشفيات في المدن، ومراكز صحية في القرى، ونظام بيطري متقدم يغطي البلاد، مع حملات تطعيم موسمية للثروة الحيوانية. ولم يكن ذلك تفصيلًا ثانويًا، بل جزءًا من رؤية شاملة لاقتصاد يعتمد على الزراعة والرعي.

غير أن ما يميز تلك المرحلة بحق، هو وجود عقل دولة استباقي، تجسّد في نظام الإنذار المبكر. ذلك النظام الذي لم يكن ينتظر الكارثة، بل يسعى إلى منعها: يرصد تحركات الجراد والطيور لحماية المحاصيل، يتابع مؤشرات شح الموارد لتفادي المجاعات، يراقب التوترات القبلية قبل أن تتحول إلى صراعات دامية، ويعتمد أدوات عملية مثل “خطوط النار” لحماية المراعي من الحرائق. كان ذلك تعبيرًا عن دولة تفكر بعقل التخطيط، لا بردة الفعل.

لكن، كيف تهاوى هذا البناء؟ المشكلة لم تكن في غياب المقومات، بل في غياب الإرادة السياسية التي تحمي هذه المقومات. فمنذ السنوات الأولى للاستقلال، انزلقت النخبة السياسية إلى صراعات ضيقة على السلطة، بدل أن تنشغل بتثبيت أركان الدولة. لم يُصن الحياد المؤسسي، ولم تُحمَ الخدمة المدنية من التسييس، فبدأت تتآكل من الداخل.

ثم جاء الانقلاب على فكرة الدولة نفسها. فبدل أن تكون الدولة إطارًا جامعًا لكل السودانيين، تحولت تدريجيًا إلى أداة في يد من يسيطر عليها. ومع كل انقلاب أو اضطراب سياسي، كانت مؤسسات الدولة تُفرغ من مضمونها، ويُستبدل معيار الكفاءة بمعيار الولاء، فتتراجع المهنية، ويترسخ الفساد، ويتحول الجهاز الحكومي إلى عبء بدل أن يكون رافعة.

وفي قلب هذه التحولات، برزت أزمة أكثر عمقًا: سوء إدارة التنوع. فالسودان بلد متعدد الأعراق والثقافات، وكان يحتاج إلى عقد اجتماعي عادل يُدير هذا التنوع ويحوّله إلى مصدر قوة. لكن ما حدث هو العكس:حيث تُركت التفاوتات دون معالجة، وتفاقمت المظالم، حتى تحولت إلى شروخ عميقة في جسد الدولة، مهدت لاحقًا لصراعات طويلة ومكلفة.

غير أن الضربة القاضية لم تكن إدارية ولا حتى سياسية فقط، بل كانت ضربة في وعي المجتمع نفسه.

ففي ظل الفراغ الوطني، تسللت الأيديولوجيات، لا لتُكمل مشروع الدولة، بل لتستبدله. بدأت عملية إعادة تشكيل الوعي على أسس تقسيمية، تُعرّف الناس لا كمواطنين متساوين، بل كأتباع لمعسكرات متناحرة.

تراجع مفهوم “الوطن” لصالح مفاهيم بديلة: مرة باسم الطبقة، ومرة باسم العقيدة، ومرة باسم الماضي المتخيل. وهنا بدأت الدولة تفقد أخطر ما تملك: وحدة المعنى.كما إن ما حدث للسودان بعد الاستقلال ليس مجرد تعثر، بل انحراف عن مسار كان واعدًا. ودولة كانت تمتلك مؤسسات محترمة، فتم تسييسها. ومجتمع كان متماسكًا، فتم تفتيته. ومشروع حداثي كان في طور التشكل، فتم استبداله بصراعات أيديولوجية عقيمة.لقد ضاع السودان لا لأنه لم يكن يملك شيئًا، بل لأنه لم يُحسن حماية ما كان يملكه.

وفي الحلقة القادمة، سننتقل من وصف البدايات إلى تشريح الفاعلين: كيف التقت—بصورة مدهشة—مشاريع تبدو متناقضة في ظاهرها، لكنها تشابهت في أثرها التدميري؛ الشيوعيون والإخوان، وكيف أسهما معًا في تقويض الدولة وتمزيق المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!