خديعة الدولة والتنظيم — 2/6 الجيش بلا أيديولوجيا — الغلاف يتبدّل والوظيفة لا تتغير
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
ثمة سؤال يبدو بسيطاً لكنه يفتح أعمق أبواب الفهم للحالة السودانية: كيف يمكن لمؤسسة واحدة أن ترفع راية الاشتراكية ثم تتخلى عنها، وتتبنى القومية العربية ثم تنقلب عليها، وتحتضن الإسلام السياسي ثم تتبرأ منه وكل ذلك في غضون سبعة عقود دون أن تتغير طبيعتها جوهرياً؟
الجواب ليس في الأيديولوجيا، بل في الوظيفة. فالجيش السوداني لم يكن يوماً مؤسسةً أيديولوجية تؤمن بما ترفع، بل كان دائماً أداةً بيد من يدفع ثمن الأداء — وهم نخب المركز الجغرافي والاجتماعي، بصرف النظر عن الزي الفكري الذي يرتدونه في كل حقبة.
الغلاف الأول: القومية والعروبة — عبود 1958–1964
حين استلم الفريق إبراهيم عبود السلطة، لم يكن يحمل مشروعاً أيديولوجياً واضحاً. كان يحمل مشروعاً واحداً: الحفاظ على الدولة المركزية كما ورثها الإنجليز بيد النخبة الخرطومية. غير أنه احتاج إلى غلاف، فارتدى غلاف القومية العربية المتصاعدة في تلك الحقبة الناصرية.
لكن حين اقتضت مصلحة المركز، تخلّى عبود عن ذلك الغلاف بلا تردد. فسياسته في الجنوب التعريب القسري وفرض الإسلام في المدارس لم تكن تعبيراً عن إيمان أيديولوجي عميق بالقومية العربية، بل كانت أداةً لتنميط الهامش الجنوبي وإخضاعه لمنطق المركز. وحين فشلت تلك السياسة وأشعلت الحرب الأهلية الأولى، لم يراجع عبود أيديولوجيته — بل راجع أدواته.
الدرس الأول: القومية لم تكن قيمة، بل كانت سلاحاً لإسكات التنوع.
الغلاف الثاني: الاشتراكية والتقدمية — نميري في طوره الأول 1969–1976
حين انقلب جعفر نميري في مايو 1969، جاء تحت راية مختلفة تماماً. رفع شعار الاشتراكية والتقدمية والناصرية، وخطب ودّ اليسار السوداني واليسار العربي الواسع. وحمل إليه المثقفون والتقدميون ممن سئموا ضعف الحكومات الطائفية آمالاً عريضة.
والمفارقة المُؤلمة أن يسار السودان دعم انقلاباً عسكرياً بدواعٍ تقدمية. وهو ما يكشف أن وهم الغلاف الأيديولوجي لم يخدع العسكريين وحدهم، بل خدع المثقفين والسياسيين أيضاً في كل مرة. ثم في يوليو 1971، أعدم نميري قيادات الحزب الشيوعي السوداني بعد محاولتهم تصحيح مساره، فأسقط الغلاف الاشتراكي دفعةً واحدة دون أن يرمش.
لماذا؟ لأن الاشتراكية لم تكن يوماً هي الهدف.
الهدف كان تركيز السلطة في يد المؤسسة العسكرية والنخبة المركزية المتحالفة معها.
حين هددت الاشتراكية الحقيقية ذلك التركيز، جرى التخلص منها بالرصاص.
الدرس الثاني: الاشتراكية لم تكن مشروع عدالة، بل كانت ورقة شرعية لضرب الأحزاب التقليدية.
الغلاف الثالث: الإسلام نميري في طوره الثاني 1983–1985
في عام 1983، أعلن نميري الاشتراكي العلماني تطبيق الشريعة الإسلامية في ما عُرف بـ”قوانين سبتمبر”. لم يكن نميري قد تحوّل فجأة إلى رجل دين، بل كان يبحث عن غلاف جديد ينقذه من أزمة شرعية متصاعدة بعد أن أُنهكت اشتراكيته وخبت مصابيحه القومية.
الجيش ذاته الذي رفع راية الاشتراكية ثماني سنوات، ارتدى الآن زيّ الدولة الإسلامية. ولم يغيّر من طبيعته شيء: لا هيكله ولا مصادر تمويله ولا تحالفاته مع النخب المركزية، و لم يوقف حروب الإبادة التي يشنها ضد أهل الهامش.
غيّر فقط الخطاب الذي يُبرر به وجوده واستيلاءه على موارد الدولة.
وحين انتفضت الجماهير ضد نميري عام 1985، كان الجيش أول من تخلى عنه. لم يُدافع عن “الشريعة”، بل أزاحها جانباً مع الرجل الذي رفعها، ثم عاد بعد أربع سنوات لينصّب البشير باسم الإسلام ذاته — لكن بيد مختلفة وغلاف أشد سماكة.
الدرس الثالث: الإسلام لم يكن قناعة المؤسسة، بل كان أداةً تلجأ إليها حين تستنفد أدواتها الأخرى.
الغلاف الرابع: الإسلام السياسي المنظَّم — البشير والإنقاذ 1989–2019
انقلاب البشير كان الأكثر تطوراً في آلية استخدام الغلاف الأيديولوجي. فللمرة الأولى، لم يكن الجيش يرتدي أيديولوجيا خارجية، بل كانت ثمة حركة أيديولوجية منظّمة — الحركة الإسلامية بقيادة الترابي — تتغلغل في جسد المؤسسة العسكرية وتعيد هندستها من الداخل.
هذا التطور جعل العلاقة بين الجيش والأيديولوجيا أعمق مما كانت عليه في كل العهود السابقة. لم يعد الجيش يرتدي الإسلام كغلاف خارجي، بل صار فريق من ضباطه يؤمن حقاً بمشروع “الدولة الإسلامية” الإرهابية، بينما يبقى الكثيرون منهم على نهجهم القديم: استخدام الغلاف للوصول إلى الغنيمة.
وهنا مكمن خطورة الإنقاذ: أنها وحّدت بين الأداة والغلاف، بين الجيش والتنظيم، بين الحارس والمالك. وأنتجت ما يُصعب فكّه بمجرد قرار أو إعادة هيكلة.
الدرس الرابع: حين يُصبح الغلاف جزءاً من البنية لا مجرد طلاء فوقها، تنشأ مؤسسة هجينة يستحيل إصلاحها من الداخل.
الغلاف الخامس: “حماية الدولة” — البرهان 2019–اليوم
بعد سقوط البشير، يُعلن البرهان وأنصاره أن الجيش يعمل الآن بـ”منطق الدولة” لا بـ”منطق التنظيم”. وهذا هو أخطر الأغلفة على الإطلاق، لسببين:
أولاً: لأنه يستخدم خطاباً عقلانياً مُحايداً يصعب نقده ظاهرياً. من يجرؤ على رفض “الدولة”؟ من يستطيع الاعتراض على “الحماية الوطنية”؟ الغلاف هذه المرة ليس أيديولوجيا قابلة للتفنيد، بل هو مفهوم فضفاض يستوعب كل شيء ولا يلزم بشيء. “الدولة باقية”ّ!!!
ثانياً: لأن البرهان ذاته منتَج الحركة الإسلامية، رُقِّي بقرار التنظيم لا بالكفاءة العسكرية، وأسرته في تركيا الإخوانية، وكرتي يُحرّك خيوطه عبر مدثر “الراكب ورا خاله”.
فحين يتحدث عن “منطق الدولة” أو “بقاء الدولة”، فهو يُعيد إنتاج أقدم خدعة في التاريخ السوداني: تسمية سلطة الفئة باسم سلطة الجميع.
الخيط الثابت عبر الأغلفة كلها
إذا رسمنا خطاً يربط بين عبود ونميري والبشير والبرهان، لن نجد أيديولوجيا مشتركة. ما نجده هو:
الجغرافيا: السلطة تتمركز دائماً في الخرطوم وامتداداتها، وتتدفق الموارد من الأطراف نحو المركز.
التركيبة الاجتماعية: النخبة المستفيدة تنتمي باستمرار إلى الفئات الاجتماعية المركزية التي تحالفت مع الجيش منذ 1958.
آلية الإقصاء: الهامش يُقصى بأدوات متجددة التعريب، التأميم، التنمية غير المتكافئة، الحرب لكن النتيجة واحدة.
الشرعية المؤجَّلة: في كل حقبة يُقال للسودانيين: “انتظروا، الظروف لا تسمح بالديمقراطية الآن.” وهذا “الآن” ممتد منذ سبعة عقود.
لماذا ينخدع الناس في كل مرة؟
السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: “لماذا يكذب الجيش؟” — بل: لماذا نُصدِّق نحن، أنا و انت، لماذا نُصدِّق في كل مرة؟
الجواب أن الأغلفة الأيديولوجية لا تُقنع العقل فقط، بل تُشبع حاجات نفسية وسياسية حقيقية: الاشتراكية أشبعت حنين الفقراء للعدالة. القومية أشبعت الكرامة الجريحة بعد الاستعمار. الإسلام أشبع الهوية الثقافية في مواجهة العولمة. و”حماية الدولة” اليوم تُشبع الخوف من الفوضى والتفتت.
الجيش لا يختار أغلفته عشوائياً، بل يختار ما يُشبع الجرح المفتوح في اللحظة الراهنة. وهذا ما يجعله ماهراً في الخداع وماهراً في الاستمرار.
الخلاصة: الوظيفة الثابتة
الجيش لم يكن قومياً حين رفع القومية، ولا اشتراكياً حين رفع الاشتراكية، ولا إسلامياً حين رفع الإسلام، ولا حامياً للدولة حين يرفع الآن راية الدولة.
كان دائماً، وفي كل الأحوال، شيئاً واحداً: حارس بوابة المركز، يمنع الهامش من الدخول، ويتقاضى أجره من النخبة التي تنتفع ببقاء تلك البوابة مغلقة. ولعل هذا يفسر لماذا تحتكر نخب المركز الكليات العسكرية أيضا.
فهم هذه الحقيقة هو أول خطوات التحرر من اكاذيب الجيش ودغمستة.
المقال القادم — 3/6: “الإنقاذ: الكيزانية الشاملة” —
كيف حوّل انقلاب 1989 الجيشَ من أداة للمركز إلى جيش حزب، وكيف أسس للتشابك العضوي الذي لا يمكن فكّه بمجرد قرار.




