صمت المثقفين تجاه الحرب وأزمة الدولة في السودان: قراءة في الجذور ومسارات الخروج (3)
هيثم عبدالله محمد

هيثم عبد الله محمد
ماجستير العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية
مسارات الخروج:
تبرز الحاجة في الحالة السودانية إلى إعادة تأسيس الدولة عبر عقد اجتماعي جديد، وهي فكرة تجد جذورها في التقليد الكلاسيكي لنظرية العقد الاجتماعي، فبحسب تصور توماس هوبز، ينشأ العقد الاجتماعي لتجنب الفوضى وحالة حرب الجميع ضد الجميع، حيث يتنازل الأفراد عن جزء من حريتهم لصالح سلطة مركزية تضمن الأمن والاستقرار. وإذا نظرنا إلى السودان، فإن استمرار الصراعات المسلحة يشير إلى فشل الدولة في أداء هذه الوظيفة الأساسية، أي ضمان الأمن، مما يعني عمليًا انهيار أحد أهم مبررات وجود العقد الاجتماعي (توماس هوبز). أما عند جون لوك، فإن العقد الاجتماعي لا يهدف فقط إلى الأمن، بل إلى حماية الحقوق الطبيعية، وعلى رأسها الحياة والحرية والملكية. ومن هذا المنظور، فإن أزمة السودان تتجلى أيضًا في عجز الدولة عن حماية هذه الحقوق، سواء من خلال العنف، أو التهميش الاقتصادي، أو غياب العدالة في توزيع الموارد. وبالتالي، فإن الدعوة إلى دستور جديد يضمن تقاسم السلطة والتوزيع العادل للثروة تنسجم مع رؤية (جون لوك) التي تربط شرعية السلطة بقدرتها على صون حقوق المواطنين، بل وتمنحهم حق مقاومة السلطة إذا فشلت في ذلك. وبالمقابل حيث يقوم العقد الاجتماعي على “الإرادة العامة” التي تعبّر عن المصلحة المشتركة للمجتمع، وليس عن مصالح النخب أو الفئات الضيقة. ومن هذه الزاوية، فإن الدعوة إلى بناء هوية وطنية جامعة، وإصلاح التعليم والإعلام لتعزيز المواطنة، تمثل محاولة لإعادة إنتاج هذه الإرادة العامة في السياق السوداني. فالأزمة ليست فقط في توزيع السلطة، بل في غياب شعور جماعي بالانتماء إلى كيان سياسي مشترك.
وأخيرًا، فإن التأكيد على تمكين المجتمعات المحلية، وإعادة بناء النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، يعكس بوضوح الفكرة المركزية في نظرية العقد الاجتماعي، وهي أن الشرعية تنبع من المجتمع نفسه، لا من النخب الحاكمة. فالعقد الاجتماعي لا يُفرض من أعلى، بل يُبنى من خلال مشاركة فعالة للقوى الاجتماعية، بما يضمن خلق توازن حقيقي داخل الدولة، ويمنع إعادة إنتاج احتكار السلطة.
اللغة ،القبيلة والدين كجزء من أزمة العقد الاجتماعي:
أولاً: اللغة
إذا نظرنا إلى فكرة العقد الاجتماعي عند جان جاك روسو، فإن نجاح الدولة يعتمد على وجود “إرادة عامة” يشعر الجميع أنهم جزء منها. لكن في السودان، هيمنة العربية كلغة رسمية ووحيدة في مؤسسات الدولة خلقت فجوة بين المركز والمجموعات اللغوية الأخرى. بمعني أن اللغة العربية ليست هي مشكلة بحد ذاتها بل أن احتكارها في الفضاء الرسمي أقصي كثير من المجتمعات صاحبة اللغات المختلفة علما بأن السودان بجغرافيته الآنية تتنوع فيه اللغات ما بين 70 الي 90 لغة وهو عدد ضخم وكبير ويدل علي التنوع الكبير في المجتمعات السودانية من ناحية اللغة. وبالتالي يظهر الخلل البنيوي في مسألة العقد الاجتماعي الذي يصبح ضعيفا ويكاد ينعدم تماماً بسبب عدم قدرةالدولة أو رغبتها في عكس هذا التنوع. فشرعية الدولة تقوم علي حماية حقوق الافراد والحق اللغوي واحداً من هذه الحقوق وبالتالي تحرم منها المجتمعات في التعلم والتداول المحلي وعكسها ثقافياً في الاعلام. عندما تُهمل هذه الحقوق، يتحول التهميش الثقافي إلى تفاوت سياسي واقتصادي، خاصة في مناطق مثل دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان ومناطق النوبة في أقصي الشمال. بالتالي فرض هوية لغوية واحدة يؤدي الي الانقسامات والمقاومة والرغبة في التغيير وقد يصل الي استخدام القوة كما يحدث في حالة السودان. الهوية الوطنية في السودان لا يمكن أن تُبنى على التجانس، بل على إدارة التنوع ، ونظام لامركزي لغوي يهتم بالتعليم الثنائي أو متعدد اللغات ويعكس التعدد الثقافي وان يتاح للاقاليم اختيار اللغات التي تتوافق مع مجتمعاتها المحلية في التعليم مما يؤدي الي الشعور بالاعتراف ويمكّن ويعزّز الولاء للدولة السودانية.
ثانياً: القبيلة
يعتبر السودان بعد انفصال جنوبه يحتوي علي ما لا يقل عن 400 مجموعة قبيلة واثنية فهو يتميّز بتنوع قبلي وتباين مجتمعي وثقافي كبير وبطبيعة الحال يدار هذا التنوع عن طريق مؤسسات عادلة وتمثيل سياسي متوازن وتوزيع منصف وعادل للثروة. ولكن في حالة الدولة السودانية فقد حدث العكس فتم احتكار السلطة من مجموعات اثنية وإجتماعية محددة نطلق عليهاالنخب وتعمل علي وضع بعض المساحيق للمجموعات الأخري كترميز تضليلي لقوميتهان وتم تهميش مناطق كبيرة مثل دارفور وكردفان والشرق والنيل والازرق وهي ذات كثافة سكانية عالية مقارنة ببقية المكونات وتم استخدام القبيلة كاداة سياسة عوضاً ان تكون إطاراً اجتماعياً وقومياً. وعندما تضعف الدولة وينتفي عقدها الاجتماعي، يبحث الناس عن الحماية في أقرب بنية متاحة، وغالبًا تكون القبيلة (لتوفير الامن، العدالة والموارد) وهو ما حدث في السودان في مختلف مسارات الحروب وتكاد تكون بصورة ظاهرة في عهد الاسلام السياسي الذي حكم لمدة ثلاثة عقود واستخدم القبيلة في التسليح والتوظيف في صراعات السلطة (تسيس القبيلة وتسليحها) وهذا بدوره ادّي الي تعميق الانقسامات القبلية وتحولت النزاعات المحلية الي حروب واسعة (حرب دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق وقبلهما حرب الجنوب). هذا ما فعلته حكومة الاسلام السياسي مما جعل الولاء يتحول من “الدولة” إلى “القبيلة”، وهو مؤشر على انهيار العقد الاجتماعي. كمثال في اقليم دارفور بدات عملية الصراع كقضية تهميش سياسي واقتصادي ثم تطورت بفعل الحكومة وسياساتها المتبعة تجاه المجتمعات المحلية بل انشات له مؤسسات دولة تدير هذا الصراع القبلي بين العرب والزرقة (جهاز امن القبائل) و(حرس الحدود) كاداة لبطش المجموعات الاخري وإبادتها.
الدولة تحتاج إلى إرادة عامة تتجاوز الانقسامات لكن في السودان لم تتشكل هذه الإرادة الجامعة بل بقيت الولاءات الأولية (القبيلة، الجهة) أقوى من الدولة. وبالتالي فشل العقد الاجتماعي أدي الي صعود الهويات القبلية و تفكك الدولة وانفجرت باندلاع الصراع. والتنوع القبلي في السودان ليس مشكلة بحد ذاته لكنه يصبح خطيرًا عندما: تغيب الدولة العادلة، تُحتكر السلطة وتستخدم الهوية كاداة صراع ولذلك تظل مقولتنا ثابتة بان الحرب في السودان ليست حرب قبائل، بل حرب في دولة فشلت في إدارة التنوع القبلي. ولذلك لابد من إعادة بناء عقد اجتماعي شامل، الاعتراف بالتنوع القبلي بدل إنكاره، وبناء مؤسسات تمثيلية ولا مركزية وعادلة في توزيع الموارد.
كمبالا 19/4/2026




